أول صباحٍ في تطوان…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

هذا صباحي الأول في تطوان .من الفندق الى السوق . ولم اشاهد بتأمل سوى نصب الحمامة في مدخل المدينة من جهة طنجة .
قال الوراق الذي هو أول من تعرفت عليه في أول نهارات طنجة : الاسباني الذي عمل الحمامة نحتاً اراد سلاما يعتذر فيه عن كل الذي عملته اسبانيا بتطوان والمدن المغربية اخرى ، ثم قال بتنهيدة اتعبها تراكم السنوات في عمره : تعرف يا ولدي ، أنا لم اشاهد تلك الحمامة من زمن طويل ، لأن قدمي بالكاد توصلني من البيت الى الحانوت في هذا السوق . وبعض زوار المدينة من الغرباء يسألون إن كانت لدي صورا تباع لتلك الحمامة ؟
فأقول لهم :انا ابيع الزمن وليس الصور .
اودع الرجل واتمنى عليه أن يقبل زيارتي له في حانوته في مرات اخرى لأحصل على اجابات ربما سوف لن اجد لها اجوبة لمجرد انني زرت المكان وتأملت معماره حيث بدت الهندسة بذائقتها الاسبانية تنبئك أن الكثير من المهندسين الأسبان اشتغلوا هنا وتركو مزاجهم الحضاري من خلال رؤية جمالية قبل ان تكون استعمارية ، واخبرته أنني عندما كنت في طنجة ولشهر كامل في اول زيارة لها صادفت وراقا ،وكان نافذة رائعة عرفت من خلالها المدينة ،ويبدو أن صحبة الوراقيين تمنحكَ مفاتيح المدن لتفتح الابواب وترى وتتمتع .
ضحك وقال : نعم يا ولدي .الوراق مفتاحه الكلمة .وبالكلمة خلق العالم .
شكرته ،وقد اتعب الزمن والشيخوخة حاسة النظر في عينيه .لكنني وانا اصافحه شعرت أن اصابع يديه في رعشتها تدون شيئا من تواريخ امكنة احب ان اراها ،وهو يخبرني بسريالية غريبة ويقول :المعارك التي حدثت بين اهل تطوان والجنود الاسبان ، قد تسمع صهيل خيولها في صخب السوق . واشعر انني اسمعه كل يوم ،اما انت فتسمعه لأول مرة لهذا لا تستطيع ان تميزه ،وستميزه متى بقيت في تطوان زمنا اطول.
بعد هذا اللقاء القصير ،لم اكن ارغب في الدخول الى السوق ، وفضلت أن اعود الى الفندق . لاعيد ترتيب حسابات التجوال في المدينة وسيكون صباحي في قصر تطوان ، وسأتذكر حكايات زميلي المعلم عنه يوم كان يأتي الينا من عطلاته الصيفية ويؤنس ليل الاهوار بحكايات عن مدن حالمة ربما نرى ظلالها في اخيلة ناعمة في حكايات الف ليلة ، ليتمنى كل واحد منا ان يكون تقاعده فيها ، وهو يقول لنا :
في النهاية سأشتري بيتا في تطوان ،ومتى اشتاق لصباح الجواميس وهي تمشي بكسل الى الماء والقصب ،اجيء ليوم اشم هواء القرية ثم اعود لالعب النرد مع واحد من احفاد المورسيكيين او ابي عبد الله الصغير في مقهى بتطوان .
لقد نصحني الشيخ الوراق أن ازور قصر تطوان أولا ، وهو يقول كل شيء فيه ملوكي ، ولكنك ستشم فيه عطر الملوكية المغربية وليس الاسبانية وسترى الاندلس على شكل زخارف واقواس وملامح لسلاطبن وخلفاء وشعراء نزحوا من غرناطة واشبيلية وقشتالة وقرطبة ليسكنوا الحسيمة اول مرة ثم زحفوا ليعيشوا في دفء تطوان وجمالها.
وانا اغادره حانوت الوراق وقد اهداني كتابا قديما على شكل مخطوطة كتبها خطاط مغربي من اهل تطوان يستنسخ فيها مشاعر اهل الاندلس يوم نزلوا ارض تطوان ، ويوم بنوا وعمروا واستصلحوا ارض وبطون الوديان والسفوح ،ثم شعروا بعد عقود أن الاسبان يلاحقونهم في ارضهم الجديدة ويريدونها ملكا لهم ، وحين عدت للفندق لأضع خرائط مشاوير اليوم الثاني في لقائي مع تطوان ، قلبت ضفحات المخطوطة ، وكان ورقها عتيقا لكن كلماتها أنيقة ومكتوبة بخط الثلث ، واضحة وكبيرة، ومن اول مشاعر مؤلفها وعناية كاتبها بخطه شعرت أن الفكرة والغرض والتاليف في تلك المخطوطة هو عبارة عن مرثية لعبد من عباد الله يشكوا من ظلم الاسبان ، وهو يقول : هؤلاء الاسبان النصارى اخذوا منا الثغور الخضر وجنائن الاندلس واليوم يأتون الى تطوان ليسرقوا منها زينتها وحدائقها وصباحاتها.
أقرأ في مشاعر صاحب المخطوطة ، وأكاد ان أمسك دمعته من أجل مدينته ، ومن اولها اشعر ان تطوان ربما عاشت ذات بلاء المدافع الذي عاشته طنجة ،ولكن الفرق ان طنجة كانت تغزى من البحر ، وتطوان شقيقتها كانت تغزى من البر والبحر.
وفي اول القول بعد البسلمة والصلاة على النبي وأله الطاهرين يقول الكاتب . ان القصد هنا سلامة والدعاء من أجل تطوان زينة الامصار والبلدان ، وبلد فيها صباح الشمس كوردة بستان ، ادخرت الحُسن ولم تعش في الظن انها ستكون طمعا للافرنجة من برتغاليين واسبان بعد ان ابقينا لهم هناك القصور والاسوار والجنائن والحسان ، لكنهم لم يرحموها فأتوها غزاة من كل الجهات فاوغلوا فيها جروحا ونحيبا والم . وخلطوا الموج بالدم والحنين بالالم . ورموا الى صدرها القنبلة والسهم . آه ياتطوان .يا واحة الليمون والغناء والقلم .
احزن مع حزن صاحب المخطوطة في سجعه الحزين ،واحسبه بحزنه هذا انما رغبة منه بابقاء المدينة تعيش في قلبه ولسان حاله يقول : أن الاسبان سيسرقون منه تطوان كما سرقوا الاندلس والقصور والحدائق الجنان .
وربما اي مؤرخ تطواني حين تجالسه تشعر انه يمتلك بذاكرته فصولا لاتسنى عن تواريخ المدينة وهي تقاوم المستعمر وتتأمل لسنوات طوال ان حاكمها كانت تأتي الامر اليه من ملكه الأفرنجي ليحكم المدينة حكما قاسيا ، وخزائنه تمتلأ بخيرات وموارد تطوان.
فأترك حزن المخطوطة ، واتصفح كتابا اخرا اشتريته من الشيخ ادريس الوراق يتحدث عن التاريخ الاول لتطوان مع مشاعر تسكنني : ان المدن الجديدة في كل الاصقاع تبنى على اطلال مدن قديمة ، واوعز هذا في شعور ان الوالي العثماني مدحت باشا عندما قرر بناء مدينتي الناصرية فهو اراد بنائها على اطلال الاثر الاسطوري لمدينة اور القريبة ،وهي واحدة من اعظم الممالك السومرية القديمة ، وحين اتصفح وفي هذا الكتاب اتخيل ولادة المدينة بعد اندثار امكنة وحضارات قديمة ولدت في ذات المكان ،لكني ارى ملامح المدينة التي يطل صباحها على من نافذة الفندق قد بدأت وتشكلت مع تشكل مشاكل مملكة غرناطة بالأندلس ثم سقوطها سنة 1492 وهو بداية ميلاد تطوان الأندلسية، إذ كانت نهاية مملكة بني نصر إيذانا بانبعاث تطوان الأندلسية بمسيرتها التاريخية الحافلة وإنجازاتها الحضارية الكبيرة، إنها مدينة في بداياتها الأولى بكل شيء تقريبا للفردوس المفقود أو الموعود إذا أردنا استعارة تعبير المؤرخ الكبير حسين مؤنس. ولقد أخذت تطوان على عاتقها لعب دور القلب المفعم بذكريات الغرناطيين والموريسكيين من بعدهم.
حتى تشعر ان جواب نزلاء الفندق سيكون واحدا حين تسألهم لماذا اتيتم الى تطوان ،وطنجة جنبكم اكثر عالمية ؟فيكون الرد جئنا لنرى الاندلس .
.
لا يتوفر وصف للصورة.

اترك رد