منبر العراق الحر :كثيرا ما نواجه ظاهرة إعادة قراءة التاريخ سرديا في الرواية العربية، وكذلك يتفق أحيانا عدد من الأدباء – بغير اتفاق فعلي – على اختيار موضوع معين، يرتبط بأحداث تاريخية بعينها، تبدو أنها تلح على وجدانهم وتفرض نفسها على موهبتهم الأدبية، فعلى سبيل المثال نجد أن نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة يسجل نموذجا لهذه الظاهرة، إذ صدر في عام 2010 – وقبل نهاية العام بشهور قليلة – خمس روايات ترتبط بتاريخ فلسطين، أما كتابها فيتراوحون بين أدباء من الأرض المحتلة ومن مصر والجزائر.
الروايات هى:
– ” الملهاة الفلسطينية – زمن الخيول البيضاء ” للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله.
– “حبي الأول” للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة.
– ” الطنطورية ” للكاتبة المصرية رضوى عاشور.
– ” سوناتا لأشباح القدس ” للكاتب الجزائري واسيني الأعرج.
– ” حليب التين ” للكاتبة الفلسطينية سامية عيسى.
وعلى الرغم من اختلاف الرؤى وتقنيات السرد بين الروايات الخمس إلا أن هناك أكثر من عامل مشترك بينها، فيتمثل العامل الأول في صدورها جميعا تزامنا مع ذكرى مرور ستين عاما على احتلال فلسطين. أما الملمح الأهم الجامع بين الروايات الخمس، فهو توجه المخيال الروائي صوب أحداث تاريخية مختارة. التاريخ إذن يمثل القاسم المشترك، المتكئ في الروايات كلها على المخيال الاجتماعي العام، أي التصورات التي تشكل نوعا من اللاشعور الجمعي الذي يختزنه الأفراد خلال مرحلة تاريخية بعينها.
إن الرواية التاريخية تعد – وفقا لهذا التصور – سردا تصويريا رمزيا بالضرورة لأحداث التاريخ الماضي، وذلك من خلال وجهة نظر الكاتب الذاتية، بينما ينطلق المخيال الروائي لإنشاء علاقات جديدة بين التاريخي والمتخيل أو يبتكر شخصيات لا وجود لها في الواقع التاريخي الفعلي، لكنها توظف في السرد لتجسيد رؤية الكاتب بما تحمله من خصوصية، وذلك بما يعيد ترتيب الوقائع التاريخية وتركيبها في سياق جديد، أي أنه يعيد إنتاج هذه الوقائع إبداعيا، فيما يقيم علاقات نصية بين الشخصيات الحقيقية والوقائع التاريخية من ناحية، والشخصيات المتخيّلة المبتكرة دون أن يكون لها وجود فعلي في الواقع من ناحية أخرى. ويحكم حركة المخيال في هذه الحالة قدرة الروائي على توظيف هذه العلاقات الجديدة فنيا في بنية السرد بما يكشف عن رؤية الكاتب.
صحيح أن الروايات الخمس تعتني عناية كبرى بتسجيل الأحداث التاريخية المعروفة، لكن المخيال يلجأ أيضا إلى المخيلة العامة لملء الفجوات التاريخية، فيستعين بعناصر تراثية ودينية ومخزون الأدب الشعبي باستفاضة.
إن هذا الاحتشاد والحشد الاستثنائي لعناصر كامنة في الذاكرة، ومشكلة للمخيال الاجتماعي لا تقتصر فحسب على رغبة الحفر عميقا لاستخراج مخزون هذه الذاكرة الكامنة، إذ يستطيع القارئ المنتبه أن يرصد بوضوح رغبة لاهبة في النصوص كلها، يتضافر فيها الشعوري واللاشعوري، من أجل مواجهة واقع التردي والتمزق والتبدد القائم منذ عقود، وصولا إلى الحاضر المؤلم، وذلك عن طريق اختراق المخيلات السائدة واقتحامها وتجديدها بحاجات فعلية وروحية ونفسية، بل وبدنية أيضا، غير مرصودة أو مفكر فيها، وذلك إلى جانب استعادة رموز للبطولة المنسية والمهمشة أو إبداع رموز أخرى طالعة من عمق الأرض الفلسطينية ومعبرة عن وجودها. مثل هذه التوجهات الإبداعية يمكن أن تربك السائد المستقر، وتصب في روافد ثقافة المقاومة تيارات جديدة على نحو ما يحدث الآن ويُنتظر أن يؤتي ثماره الإبداعية ضمن تداعيات الوضع الفلسطيني الراهن.
أما إذا اقتربنا أكثر من الروايات المذكورة، فإننا نجد أن نسيجها السردي يكشف عن شواهد ما تزال حية في الضمير والوجدان العربي والأدبي، وقابلة للامتداد في الحاضر والمستقبل القريب وربما أيضا البعيد.
نجد مثلا في رواية ” الطنطورية ” لرضوى عاشور جدارية هائلة للبطولة الجماعية، وعلى الرغم من المذابح والتشريد والانكسارات إلا أن هذه البطولة حية صاخبة بتفاصيل الحياة اليومية في قرية ساحلية صغيرة، يقع أهلها تحت وطأة التهجير القسري، على نحو ما يحدث الآن لأهالي غزة، أما زمن الرواية فيرجع إلى مرحلة انتهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين. كذلك يتسع أفق الرواية لتستقطب شخوصها الروائية أزمنة تاريخية عربية، تمتد من حرب السويس إلى هزيمة 1967، وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، واحتلال العراق.
هذه التفاصيل التي تتكرر في وقتنا الراهن بصور مختلفة نجدها مجدولة في الرواية في نسيج لغوي مُحْكَم ومُشَّكل من مًنمنمات باهرة الحكي من جانب الشخوص الروائية، بينما تحتل مروياتها موضعها متضافرة في بنية الرواية.
القارئ من جهته لابد أن ينتبه إلى أن عملية السرد يقودها المخيال الروائي الطليق الذي توظفه الكاتبة لمواجهة الواقع المهدَد بغياب أفق لنجاة قريبة، وضرورة التشبث بأمل لا بد أن ينبع من هذا السياق البائس نفسه، وذلك – ببساطة – لأن الأمل هو ضرورة إنسانية لاستمرار الحياة.
في رواية ” حبي الأول ” لسحر خليفة نجد بيت العائلة في فلسطين – الوطن الأم – يُعاد ترميم شروخه وصدوعه التي تراكمت عبر الزمن ليصبح بيتا لذاكرة مهشمة بالمنافي التي عاشتها الراوية، لكن هذه الذاكرة نفسها حين تُستعاد في الرواية تصبح نابضة بالحياة والحب والجمال. وكذلك فإن هذه الذاكرة المستعادة تصبح موطن عشق لا ينقضي لرموز وطنية تشكل جانبا مهملا من الذاكرة الجماعية، فينهض من ركام الزمن أحد رموز المقاومة الوطنية الفلسطينية هو عبد القادر الحسيني الذي يصبح أيقونة لا حد لجمالها، ولقوتها الرمزية والإيحائية.
وقد يجمح المخيال الروائي ليرمح كما الفرس الأصيل، وينطلق في براح الذاكرة المنسية ليمزج التاريخي بالمتخيّل، والواقعي وما هو أيضا فوق الواقع، وذلك ما نجده في رواية ” زمن الخيول البيضاء ” لإبراهيم نصر الله. يرسم الكاتب في روايته بالحروف والكلمات رؤية ملحمية وأسطورية مدهشة لأجيال متعاقبة في قرية (الهادية) الفلسطينية الصغيرة حيث تصنع فيها الخيول أقدار الرجال، ويتماهى فيها الرجال مع أفراسهم ليحققوا بطولات أسطورية.
تتمثل الرؤية المركزية في النص الروائي في أكثر من موضع، وتتجسد من خلال بطل الرواية حين يتحول إلى بطل شعبي يقود المقاومة المسلحة بينما يصبح مطاردا من جانب العسكر الأتراك، والإنجليز من بعدهم، ثم توغُل المستعمرة الإسرائيلية في أرض القرية. وحتى بعد استشهاده يعود طيفه ليشد أزر الثوار، ويوجه خطاهم بما يضيف إلى الجانب الأسطوري في الرواية، لكنه أيضا لا ينفصل عن الواقع، ولا يكف عن بث وصاياه إلى القريبين منه من أهل القرية الذين يحملون هذه الوصايا في جوانحهم ويسلمونها لمن يأتي بعدهم.
وإذا كان إبراهيم نصر الله يلجأ إلى التاريخ الأسطوري والواقعي، فإن كاتبة فلسطينية أخرى هى سامية عيسى تلجأ في روايتها ” حليب التين” للتاريخ المسكوت عنه الذي لا يقل أهمية وكشفا عن الوقائع المؤرخة للحياة في المخيمات الفلسطينية، إذ يلتقط المخيال الروائي تيمة محورية في النص هى عدم توفر الإمكانات لقضاء الاحتياجات اليومية الضرورية، والحاجات البيولوجية الأساسية للفرد في المخيم على نحو ما نتابع في أيامنا الراهنة أحوال أهل غزة.
السرد الروائي هنا يضفي أبعادا واقعية ونفسية تنتصر لحق الحياة، فيما يكشف – أو بمعنى أصح يفضح- بجرأة صادمة، لكنها لافتة روائيا أنواع القهر البدني والنفسي والمادي الذي تتعرض له الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية، وما تلجآن إليه من صنوف المقاومة والكشف استعانة بالمخيال الروائي الذي توظفه الكاتبة ببراعة وصراحة لافتة.
في تحقق آخر لجموح الخيال الروائي تصبح الشخصية النسائية الرئيسية في رواية ” سوناتا لأشباح القدس” لواسيني الأعرج أكثر حضورا بعد موتها، فهى كفنانة تشكيلية رسمت ذاكرتها المقدسية في لوحات شاركت بها في معارض عالمية، وهى كذلك سجلت في مدوناتها المكتوبة ذكرياتها المقدسية ونشأتها الأولى قبل مغادرة فلسطين، فكان العالم الفني الملون المرئي في اللوحات، والمدون على الورق معادلا للحياة، يطاول الموت ويعلو عليه بالفن الجميل. وفي هذا العالم الروائي ينجح الكاتب في أن يضفر التاريخ بالموسيقى والفن التشكيلي في بنية روائية متعددة المستويات.
نستطيع أن نقول إذن إن البناء الروائي الذي يعتمد على التاريخ والواقع يصير حقيقة فنية، وهذه الحقيقة المتخيلة تعود لتستقر في المخيال الاجتماعي أو المخيلة العامة مجتذبة دوائر جديدة من الكتاب والقراء من أجيال وأعمار مختلفة، فتلهم أصحاب المواهب الإبداعية، وتمد القراء بمتعة القراءة والمعرفة المتجددة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر