منبر العراق الحر :
جبانة أنتِ،
يجبْ أنْ تكوني جريئة نحنُ في عام ألفين و نيّف
ما بكِ،
الكاتب الحقيقي انتحاري لا يهاب العواقب
و إلّا كيف سيحمل رسائل الناس بأمانة نبيّ؟
يفرد ذراعيه جانباً كأجنحة نسر طائر يتابع بإصرار:
تحرري، انطلقي، طيري، انشري جدائل الضياء فوق جبين الشام و في كلّ مكان.
يمسكَ يدي يشدّ عليها مُشجعاً: كوني قويّة،
لا تكترثي بقيل و قال،
أنا الماثل أمامك بكلّ فخر و اعتزاز لولا انتزاع جذور الخوف مِن تربة قلبي الصلب، ما وصلت قطف الثمار.
..
رفع رأسه، قطّب حاجبيه فزادت خطوط جبينه حدّة: أحزن عندما أراكِ تخشين ظلّك، تمشين محاذاة الجدار.
يواصل باستخفاف:
لو أمكنكِ سرتِ نملة في قلب جدار
تخشين التصريح
على الرغم أنّني ألحظ في براري عينيكِ ملايين الصور و الأسرار و الآمال.
أملى صديقي الكاتب مواعظه و همّ بالرحيل إلى زحمة أعماله،
قام مُتثائباً بكسل واضعاً كف يمينه على فمه المفتوح مُخفياً اصفرار أسنان أكل عليها الدهر و لم يشبع.
..
أنا أبحرُ أغوص أغرق في مدى بعيد المنال. استوقفته بُرهة كي أطلب رقمَ هاتفه رُبّما أحتاج نصائح من جعبته الزاخرة بخبرة الحياة. اعتذرَ بلباقة بعد شرود عميق و تنهيدة أطول مِن انتظار.
تنهيدة نووية كادت تحرق تدمر تزلزل الأخضر و اليابس تحت أقدامي المتأرجحة على حبال الأفكار.
يقول: – آه آسف،
أخاف لسان زوجتي فهي امرأة قادرة
تغار بشكل يبعد عن المنطق ألاف الأميال.
يمجّ ثغر سيجارة، يهزّ برأس مُتخمة بأهوال،
في سرداب عقلي:
هلْ يخاف زوجته مَن يقهر بحبره الأهوال؟ ربتَ على كتفي المُحبطة مواسياً بعد قراءة ملامح تبدلت، قلبت الصباح إلى ليل يغصّ بعتمة عصيّة المرور على مري ضيقه قهر الأخبار: لا تنزعجي أرجوكِ، سأتصل مِن حين إلى آخر كي أطمئن إلى أين وصلت كتاباتك الجديدة، بعد أن تخلعي رداء رهبة البوح، بعد أن تتسربلي أجنحة فدائية جبّارة
و إلّا كيف سنحرر فلسطين و الجولان؟
تكاثف دخان،
دمعت عيون
و لا انتهى ضباب الحوار،
رفع سبّابة يمينه بوجهي: رجاء خاص. سكتَ عابساً هُنيهة، تابعَ بصوته العريض:
لا تظنِّي لحظة من اللحظات أنَّ مَثَلُكِ الأعلى كاتب جبان؛
لا أنا فقط لا أستطيع مقاومة لسان زوجتي، أما في بقية الأمور أنا بطل جبّار، كما تعرفين مِن كتاباتي، مِن أقوالي، مِن صوتي على منبر الزمان.
ابتعد أبو الفوارس
و أنا أرقب بعيون حائرة شموخ قامته
و هي تغيب بين أكوام الزحام.
تركني أبحث،
أتأمل بين ثنايا ضلوع مطبقة عن بقايا رؤى و كلمات.
بعد أسابيع جلست
في المكان نفسه على طاولته المُعتادة في زاوية نادي صغير مُحاط بأشجار عالية و أغصان لبلاب.
كأنّ رواده يعشقون لعبة الاختباء وراء أكتاف الضباب.
سألتُ عنه أحد الأصدقاء، أجاب: سافر .
اقترب منّي: على فكرة أوصى إليكِ بسلام خاص. قائلاً: أمانة سلام معطر إلى حمامة السلام.
اقترب مِن وجهي أكثر ليوشوش في دهليز أذن مسدودة بقماش حجاب سميك
وصلتني رائحة بصل يابس قبل وصول المعنى.
برفقة صوت مخنوق خفيض لولا التصاق فمه بخدي لمَا سمعت: بيني و بينكِ لا أخفيك سرّاً ..
ينخفض صوته أكثر ليتوغل بين ضبابي، كاد يختفي في ساحة غيابي:كما يبدو صديقنا ارتعب من الأحداث في الواقع معه حقّ،
بصراحة الوضع صعب.
يُردف بعد طول تفكير مُحدّقاً بعين سماء دامعة : لنْ يعود حسب معلوماتي إلّا حين تهدأ ثورة العواصف و يتحسن مزاج المناخ.
مُحذراً: انتبهي الحجّة الظاهرة إلى العيان و أمام الإعلام، التفرُّغ لكتابة تاريخية جديدة تحكي عنْ جرأة العرب عن أمجادهم و بطولاتهم في مُحاربةِ الاستعمار.
يتأملُ قلقَ وجهي بُرهة يُكمل التخمين كي يستدرج التفاؤل طريقه إلينا: ربَّما تتحوّل رواية صديقنا المقدام إلى سيناريو، ثلاثين حلقة تُعرض في شهر رمضان.
..
شيء مُمضّ اعتراني
و تسربلني، بطشَ باقي كياني شحنّي سلباً
و دفعني إلى الوراء. حنيتُ رأسي و مشيت تجاه بيتي و أنا أمزق أوراقي الأخيرة التي عنونتُها الحقيقة.
تناثر فُتاتُ الإخفاق ورائي وضاع عنوان قصّتي الجديدة
و تاهت فتافيت في أزقة الشام.
..
.. هُدى الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر