خطورة الحياة كما هي …..عبد الحميد الصائح

منبر العراق الحر :
على قاعة المقهى الثقافي العراقي
كاميرا تتبرص .. وحياة تتسللُ كالأفعى في فيلم ( اعيش هنا وانفس هناك ) للمخرج قاسم عبد .

بعد يومين من مشاهدتي هذا الفيلم وتهرّبي من ابداءِ رأي فيه، كبَر في رأسي سؤال، كم من الالغاز اليومية تحيطنا ونحنُ نرى السنوات والمنافي والأحلام المهدورة تمضي كالعربات الثقيلة على أرواحنا واعمارِنا وأجسادنا ؟ نحن المستسلمين، الذين لا ينقذنا سوى الجنون والوهم حين يوحي لنا بان شيئا ما سيحصل وأنّ ماتراه ليس ماتراه فعلا .. انتظر هنا انتظر هناك، شيء ما سيأتي، شيءٌ ما سيحصل .
هذا الوهم الذي اصبح مدارس فنية وضوابط ومعايير، وحركات سياسية وفلسفات وثورات وهجرات وأنواع شتى من السعادات المؤقتة ، لكن .. كلّ جديد يصبح قديما ، وكلّ من عرِف اللعبة وأكمل مدة العقد في هذه الدنيا عليه الرحيل . فالحياة الخالصة التي كما هي دون رتوش تستفزنا بتهديدها مهما اؤتينا من التربص والصبر والأمل والوهم .
الذي استطيع قوله من وحي فيلم قاسم عبد ( اعيش هنا واتنفس هناك) الذي عرض في امسية المقهى الثقافي العراقي الماضية، ان الحياة (كما هي ) تسللت كالافعى الى الكاميرا دون ايقاع سوى مللها وتكراراتها واقدام الناس التي تدوس ساعاتها في الشمس والجليد والليل والنهار ، لافرق، الزمن واحد والأمكنة متعددة . تدونُها كاميرا تتلصص من نافذتين، هناك في بغداد حيث الذاكرة المهجورة ، وهنا في لندن حيث الذاكرة المهاجرة . نافذتان تختصران الكون ، الكاميرا والحياة بطلا قصة بلا حبكة ، وحوار بلا كلام وأحداث بلا ايقاع او مؤثرات. لنبقى فاغري الافواه أمام الشاشة بانتظار حكاية مصنوعة أو وهمٍ يشجعنا على المتعة ، لاشيء من ذلك كله سوى الكاميرا التي تتبربص كالزمن، والحياة التي تتسلل كالافعى ، ورئة المهاجر المنقسمة، فصٌّ في لندن وآخرُ في بغداد .والهواء هو الزمن المتعثر. رئة عليلة تشبة الشجرة التي اقتلعها الاعصار في الفيلم .
ولذلك هرَبتُ في البدء من التسرع في اصدار حكم على الفيلم أو التساؤل عن معنى الفيلم وماذا يقول وهل هو فيلم ام كاميرا سائبة غير مسؤولة ، ام مشروع علمي كمن يصور فاكهة تتعفن ببطء ثم يسرّع الشريط امام الجمهور ؟ أجّلتُ كلّ ذلك ،لانه لايتفق مع سيرة الفنان العراقي الرصين قاسم عبد مبدع الافلام التسجيلية التي تناول فيها سِيَر المهاجرين في المنافي بمستوى من المهارة والحداثة، حتى افلامه المتاخرة مرايا الشتات، وسط حقول الذرة الغربية ، حياة ما بعد السقوط .واخيرا هذا العرض غير المحبوك بسوى لعبة مخرج ذكي ترك الادوات تعمل بتلقائية . ليقدم من خلالها القسوة في معالجة ناعمة صامته صاخبة .. قسوة العيش بعيدا عن الوطن .. تلك القسوة التي لايشعر بها الا من عاشها فعلا.

اترك رد