قصّة .. (أصوات)…هدى الجلاب

منبر العراق الحر :
بُكاء ابن الجيران مِنْ وراءِ الجدار يُزعجني، كمَا يبدو يرفض الذهاب إلى مدرسته ..
صوت استدرج ملايين الأصوات إلى محيط رأسي ..
أفكر في أطفال زمننا الصعب، هؤلاء مَن يدقّ جدار القلب لهم على مدار الوقت ..
كمْ فكروا بالأيّام القادمة، الكثير مِن الأمنيات أرادوا تحقيقها قبل الغروب، كانوا يعيشون يقفزون يحلمون بربيع مُنتظر
و أجنحة قويّة تحملهم فوق سطوح الغيوم.
ما أصعبها مِن صرخات مؤلمة، دائماً تطرق دهاليز دماغي ..
أطفال سوريون انتقلوا إلى برج السماء قبل أوان الرحيل،
فقط يريدون أنْ يعرفوا لماذا حصل معهم ذلك؟
على ذكر الطفولة أعود إلى أرض أهوى أنفاسها ..
أتخيلني في الصفّ السادس الابتدائي ..
أربط ضفيرة شعري العريضة بشريطة بيضاء و أرتدي مريول المدرسة الكاكي مع قبّة بيضاء مكويّة مُنشاة و أضع وسط وجهي ابتسامة غبيّة و بعض أثار عروسة الزيت و الزعتر.
كانت آنستي جسيمة، شخصيتها كجبل قاسيون،
لمْ ترق لي يوماً
و هي لمْ تُحبّني على ما أظن،
كانت دائماً تسأل
و أنا دائماً لا أجيب،
كنتُ أصغي إلى صوت عصفور يزقزق على شبّاك
أو أرقب أشعة شمس شاردة تسير من مكان إلى مكان
بين أرض و جدران.
كانت ترمقني بغضب كارهة غيابي عن ذاتي و شرودي ..
ذات يوم أتت مُتحمّسة،
بين يديها مسطرة طويلة عريضة أرعبت أوصالي، انتفض بدني فذهبت إلى البيت، نفضت غبار الكسل عن كتبي و دفاتري، مسحت عتمة بالي
و قرأت كلّ الدروس و كتبت جميع الوظائف دفعة واحدة
و أنا أتخيل كيف سيكون طعم العصا على كفّ يدي
و أجزاء جسدي.
درستُ خوفاً
فنجوت مِن الرسوب ..
نجحت بتفوّق إلى الأول الإعدادي.
– من الخوف ما صحح خطوات و مصائر … أقول مُبتسمة.
تفجير قويّ، لا أبالي
اعتدنا الأمر،
لأتناسى موضوع الحرب أغوص في رحاب طفولتي أكثر ..
ما زالت روحي هُناك على الرصيف الضاحك أمام بيتنا القديم في حيّ الصالحية ..
أراني طفلة تقفز و تدور و تلعب مع رفيقاتها، فتاة صغيرة تشاغب و تعفرت، تلوث ثيابها بالشوكولا و الطين و تعود لتأكل علقة ساخنة، تجلس مرتعشة تهدر الدموع بسبب و بلا سبب،
كي تفوز بهدايا و عناق و قُبل. دون معنى عالقة روحي في شِباك حلقات متينة ..
أرى أبي يُطعمني بيده الطيبة و يسقيني كوب الحليب و أمّي بصوتها الحنون تُغني و تذبح مواويل و طيور حمام و ملايين العصافير كي أهدأ
و أنام فوق سرير مزركش بالاطمئنان.
لغة دواخلي عصيّة على الفهم و النسيان، أحاول ترجمة طلاسمها و أبجديتها راغبة أعرف سبب هروبي إلى الوراء..
أمامي سبورة مستطيلة خضراء و حكمة اليوم في أعلى سطحها مكتوبة بطباشير ملوّنة مع زخارف و زهور ملونة و فراشات:
-مَنْ جدّ وجد و مَنْ سار على الدرب وصل.
يا لعجبي على الرغم مِن الجدّ و العرق، السير و الهرولة، لمْ نجد شيئاً، لمْ نصل ربع ما نريد.
سؤال يطرح نفسه فوق رأسي، ينخر ملفّات ذهني و عظم جمجمتي مثل سوسة سوداء:
– هل كذبت علينا الحكم و الأمثال العربيّة؟
حسرة قلبي على الأجيال القادمة ..
مع كلّ ثانية تمرّ تتناسل مشاعر، تتوالد بشكل غريب، لتتدفق ليزداد حُبّي و حناني لكوكب الأرض بأكمله، ليكبر خوفي أكثر على أطفال العالم،
على براعم المستقبل على الزهور،
على العصافير، على كلّ شروق شمس و على كلّ شيء جميل ..
و يطرق وجع الوطن لبّ قلبي بفأس لا ترحم،
آه من هذه الحرب التي
بعثرتنا بجنون،
مُفجعٌ أنْ نركل ذكرياتنا
و عواطفنا إلى حفرة عمياء و نرحل إلى المجهول.
قال لي: أرض الله واسعة، سيكون هُناك لنا سقفاً آمناً على الأقل، سنزرع شجرة ياسمين و زهوراً ملوّنة كمَا ترغبين،
بأيدينا سنصنع وطناً جديداً سننتمي إليه، سنحبّه سيُحبّنا سيحمل بصمتنا و عبقنا، كلّ شيء سيهون تعالي معي.
قبل مجرّد التفكير كان جوابي: – أهون ألف مرّة أنْ يعانقني سقف بيتي مِن الرحيل.
تركني وحيدة بين جدران قاسية حنونة و رحل.
على غيرِ هُدى باتت تسري الساعة ..
لا تعرف الخطوات العمياء نهاية الدرب و لا ما يحمله القدر في خُلده من أهوال معضلات ..
يُحاصرني عشق الوطن، أتشبث بذرات هواه و لا ثمّة شيء ثابت يسند قامتي المُتعبة.
أراني مشدودة بكلّ ما فيّ بمغناطيس سحري لا يُقاوم إلى عبق تُرابه، إلى أدقّ تفاصيله، إلى جدران أزقته، إلى كلّ ذرّة هواء. كيف يُمكنني أنْ أستبدله بآخر؟ و أنا جزء مِنْ مساماته و قطرة مِن شرايينه و دمعة في كتابه.
مَرحباً بالموت إذا كانَ سيحتضنُ جَسَدي تُرابه.
صوت ابن الجيران ما زال يموج و يلطم مُحيط أفكاري، راح وقت المدرسة، الساعة التاسعة و الربع، أكيد انتصرت شقاوته على إرادة أمّه المسكينة التي تعاني الأمرّين.
أنهضُ من على سرير مُثقل بسطور تفكير مضغوط ..
ألجُ صالون الجلوس، أشعلُ التلفاز لأرى أطفال مِن المدرسة الابتدائية القريبة، أشلاء مُفتتة على أرضنا العاتبة.
..
.. هُدى الجلاب ..

اترك رد