الشاعر العربي في سوق النخاسة ….عبد الحميد الصائح

منبر العراق الحر :
يمكنُنا أن نتلمّسّ جمْرةَ قَلبِ الشاعرِ العربيّ المُهانِ بإرادته من السلطة ومِنْ نفسِه، المُحاصرِ بينَ شعورِه بأهميتِهِ وتفوّقِهِ، وبينَ هامشيتِهِ وذيليّتِه وهو يَمدَحُ ليعيشَ أو يَمدحَ ليُصبحَ في منزلةٍ بين المنزلتين،منزلةِ الحاكمِ، ومَنزلةِ الناسِ في زمنِهِ ومِنْ بَعْدِهْ.
جَمرةُ الشاعرِ الذي يُعلي من شأنِ من لاشأنَ له، متجسّدةً في انتقامِه المستترْ الذي يسوّقُه عَبر أبياتِ الحِكمَةِ والمَوعِظةِ والمفارقاتِ المُدهشةِ التي تُنتجُها مخيلتُه، لكنّه في حصيلةِ الأمر، يؤثّثُ قصيدتَه باتجاهِ شخصٍ ما، يزولُ أثرُه الا أثرُه في القَصيدةِ .
وكي لايَبدو ذلك حصراً في تجارِبَ مهادِنةٍ معاصِرةٍ نشير الى موقفٍ نادرٍ وعَجيبٍ لأبرز شعراء العربية واكثرهم جدلاً والتباساً ( المتنبي )، موقفٍ يرسّخ أزمة الشاعر العربي التي أشرتُ اليها، بين قوة ذاتِه الخفيّة، ووضاعةِ ذاتِه المُعلنةْ،تجلّى في قصيدتين قالهما أبو الطيّب سِراً وعلانيةً في أشد مواقفه الإنسانية حَراجةً .
المتنبي الحالم بالسلطة،المتفوق الذي يشعر في ذاتِه بأنهُ فوقَ مقامِ مَنْ مَدَحهُمْ، بل فوقَ كل يراهُ ويعتقدُ به :
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّق
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ ال للهُ وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
هذا النرجسيُ الطائر، يرى نفسَه ذليلاً في شعرِه الى ولاةٍ ومحاربين، وكأنّ الشاعرَالكبيرَ الذي هوعليه، يُهينُ الإنسانَ الذي فيه،لالشيء، الاّ لأنهُ مجرد شاعر ليس الاّ . وقد تجلّى ذلك حينَ ارتحلَ مِنْ ديارِ سَيفِ الدولةِ الحمداني، الذي مَجّدَه وأعلى من شأنِه في أعظم أشعارِه،بل وصل ببعض تشبيهاته ومديحه واستعراض قوته الى صناعة وَهمٍ عظيم من المبالغة يلبسُه الحاكمَ،بطولةً وكَرماً وحِكمة ًيصعبُ أن ينطبقَ على حاكمٍ عربي بعينه على مَرِ التاريخ ،ومع ذلك استبدل الحمدانيُ المتنبيَ بشعراء آخرين يؤدون مهمتَه الرخيصة حسَبَ رؤيا الحاكم.وهي قصةٌ معروفةٌ بطلُها الشاعر أبو فراس الحمداني فارتجلَ واحدةً من أعظم ِقصائدِه ، تجازوت الخمسين بيتا من التحدي والفخر بالنفس والحكمة والتحذير والموعظة وكانه يريد قول كل شيء كل شيء في هذه المواجهة ، فكتبها حكيماً متحديا لبدائله محبّا لولي نعمته ومعاتبا له قبل الرحيل
.
وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ .
ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسَدي
وَتَدّعي حُبّ سَيفِ الدّوْلةِ الأُمَمُ .
……
يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ .
…..
وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ
إِذا اِستَوَت عِندَهُ الأَنوارُ وَالظُلَم
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً.
أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ.
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي
وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَم
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِم
( يمكن الرجوع الى القصيدة كاملة )
،رغْمَ هذا البناءِ الشعري (العظيم)، يُهانُ الشاعرُ مطروداً من البِلاطْ، وحاله تنزف الحكمة والشعر والحيف يصفها في هذا البيت المذهل من القصيدة
( و إنْ تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا –
أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ)
ليحط الشاعر العربي في حضرة عدوّ الحمداني اللدود أبي المسك كافور الأخشيدي حاكم مصر الذي كانت حياته شائكة، من سوح النخاسة الى العرش، مرغما على مدحه بقوله:
كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا
وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا
تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى
صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا
…….
حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبلَ حُبّكَ من نأى
وَقد كانَ غَدّاراً فكُنْ أنتَ وَافِيَا
…..
أبا المِسكِ ذا الوَجْهُ الذي كنتُ تائِقاً
لهُ، وَذا اليَوْمُ الذي كنتُ رَاجِيَا
أبَا كُلّ طِيبٍ لا أبَا المِسْكِ وَحدَه
وَكلَّ سَحابٍ لا أخُصّ الغَوَادِيَا
فهل يُمكنُ أنْ يتزامنَ هذا البناءُ المُحْكمُ مع رِدةٍ وتناقضٍ وشجبٍ واستدراكٍ حين يناقض الشاعر نفسَه في ذات اللحظة،؟ ويهجو مادحَهُ في نفسهِ على ذات النهج والوزن والقافية وهو يتهكمُ على أقدامِ كافور المشققة وسحنتِه وريائه كما يرد في شرح البرقوقي لديوانه وكان ذلك ارضية تأسس عليها ماحصلَ بينَ الرجلينِ من قَطيعةٍ وخلافٍ وتنابزٍ ملأ الصحائفَ حتى يومِنا هذا ، انظروا كيف يهجوه في سرّه :
أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا
وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا
أَمَيناً وَإِخلافاً وَغَدراً وَخِسَّةً
وَجُبناً أَشَخصاً لُحتَ لي أَم مَخازِيا
تَظُنُّ اِبتِساماتي رَجاءً وَغِبطَةً
وَما أَنا إِلّا ضاحِكٌ مِن رَجائِيا
وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَعلِ إِنَّني
رَأَيتُكَ ذا نَعلٍ إِذا كُنتَ حافِيا
وَإِنَّكَ لا تَدري أَلَونُكَ أَسوَدٌ مِنَ الجَهلِ-
أَم قَد صارَ أَبيَضَ صافِيا
وَلَولا فُضولُ الناسِ جِئتُكَ مادِحاً
بِما كُنتُ في سِرّي بِهِ لَكَ هاجِيا
(يمكن الرجوع الى القصيدة كاملة.)
هل يوجد في تاريخ الإنسانية قاطبةً ازدواجيةٌ ونفاقٌ كهذا ؟ ايّ تناقضٍ وصراعٍ وشعور يعيشه الشاعرُ العربي، وهو يُطلقُ نورَ الشعرِ وشَمْسَ الموهبةِ في سوقِ النّخاسَة،مُسْتأجَراً من قَبضاتِ وسيوفِ الملوك وخَراجِ أموالِهم ورِشاهم .حصة الناس منهُ تلك الحكمةُ التي نتعقبّها في قصائِدهم مثلَ شكوى مُرّةٍ صريحةٍ من القَدَر والدنيا يودِعُها في الزمان، ويذهبُ مُهاناً في دنياه ، مطعونا في إنسانيتِه وحريتِه على هذا النحو.
لا أجزمُ الحكم هنا بأهميةِ هذا من عَدمِها في دائرةِ التَحليلِ النفسي،وربّما يُحسَبُ نقدياً أو شيوعاً لصالحِ الشاعرِ الذي يَجوزُ له مالايَجوزُ لغَيرِه!!، لكنّ الذي يَحدثُ هنا هو تَناقضٌ مُهينٌ ، تناقضُ الشاعرِ العظيمِ الذي يَقتلُ الإنسانَ الحرَّ في داخله، ويُحطّمُ بمَعاولِ بَراعتِهِ كرامَةَ الناس العامة وكرامَتَه الشخصيةَ التي تظلّ مُتوهِجَة في السِر.مما جَعَلَ جَميعَ النقّادِ والمؤرخين الذينَ تناولوا الشاعِرْ، حكمتَه ، لغتَه، زمنَه،يتجنبونَ الحَديثَ عنه مُهاناً رَخيصاً يُعلي مَنْ يَشاءْ ويذلُ من يَشاءْ حَسَبَ معيارِ قوتِهِ والدَراهم التي تُغْدَقُ عليه ، ولايُستَثنى مِنْ ذلكَ الا القلة الذينَ كانوا أساساً خارِجَ دوائرِ المَلوكْ.
استِدعاءُ المتنبّي في هذا المَوضعِ لايَعنيهِ تَحديداً، ولا الحكم المطلق كما فعل الوردي بتحديدِ أغراضِ الشعرِ العَربي بمَدْحِ الظالمينَ ووصفِ الخمرة و والتغزّل بالغلمان !! بل يَعْني وَضاعةِ الشاعرِ العربي المُكبّل بَينَ الأنا العالية في سرّه وإذلالِ الذاتِ في عَلَنه، ومِنْ ثمّ الشِعرِ الذي ظلّ عَربياً في المَرتبةِ الدنيا من تخصصاتِ الحياةِ ومنازلِ الناسِ فيها، وصولاً الى الثوراتِ الأخيرةِ التي تُحاولُ التخلصَ من كَونِ الشاعرِ نبتاً شيطانياً لعوباً لإرضاء غرورِ الأقوياءِ والقتلة، كما دأبَ عليه السوادُ الأعظمُ من الشعراءِ في تاريخنا العربي ،
لذلك لايَصحّ العجبُ اليوم ونحن نَرى شاعراً يصيب قُرّاءَه بعدوى هذه الازدواجية حينَ يتقلب بين مَدحِ الباطلِ و مدحِ الحقِ في آنٍ واحدْ!، حسب عطايا المستفيدِ من البِضاعةِ،ذلك الذي يتنمّرُ هنا ويَنبطِحُ هناكْ.

اترك رد