حين يمرّ الغياب بهدوء …بقلم رانية مرجبة

منبر العراق الحر :

في الرملة…
لا أحد يعود كما خرج.

مريم كانت تعرف ذلك، لكنها كانت تمارس الحياة كأن المعرفة لا تغيّر شيئًا في المصير.

في النهار تعمل في مركز للأطفال. تبتسم حين يُطلب منها ذلك، وتقول كلمات مطمئنة لأمهات متعبات، ثم تعود مساءً إلى بيتٍ صامت، لا يسأل ولا يجيب.

على الطاولة قهوة تُحضَّر كل ليلة ولا تُشرب. لم تعد عادة، بل محاولة خافتة لإقناع الوقت بأن شيئًا ما ما زال يحدث.

في الخارج، تمطر الرملة بهدوء يشبه الاعتذار، كأن المدينة لا تريد أن توقظ ما فيها من وجع.

في تلك الليلة، سُمع طرق على الباب.

فتحت.

كان يوسف، جارها المسن. في يده صحن طعام مغطّى، وفي ملامحه تعب طويل لا يحتاج شرحًا.

قال ببساطة:
“طبخت كثيرًا… والوحدة لا تُجيد الأكل وحدها.”

دخل دون أن يطلب إذنًا كاملًا، كأن الحضور في هذا الحي لا يحتاج إلى دعوة صريحة.

جلسا.

الصمت بينهما لم يكن غريبًا، بل مألوفًا كأنه جزء من الأثاث.

بعد لحظات قال يوسف:
“كان البيت ممتلئًا… ثم بدأ يفرغ ببطء، حتى لم أعد أعرف متى صار هذا الفراغ طبيعيًا.”

سكت قليلًا ثم أضاف:
“الأبناء لا يغادرون دفعة واحدة… ينسحبون من التفاصيل أولًا.”

مريم لم تجب فورًا. كانت تعرف هذا النوع من الغياب؛ الغياب الذي لا يُعلن نفسه، بل يتسلل حتى يصبح واقعًا.

قالت أخيرًا:
“أمي ماتت وهي تظن أنني بخير.”

جملة قصيرة، لكنها كانت كل ما تبقّى من حكاية طويلة.

ساد صمت لا يحتاج تفسيرًا، ولا يطلب عزاءً.

نهض يوسف ليغادر. عند الباب قال دون أن يلتفت كثيرًا:
“إذا اشتعل الضوء عندي… لا تترددي. ادخلي.”

أغلق الباب.

وبقيت مريم وحدها.

القهوة ما زالت على الطاولة.
المطر ما زال في الخارج.
والصورة على الجدار ما زالت تنظر دون أن تغيّر نظرتها.

لكن شيئًا دقيقًا انزاح داخلها، لا يُرى، لكنه يُشعر به.

اقتربت من النافذة.

الرملة في الليل مدينة تتعلّم كيف تتذكّر نفسها ببطء.

ثم قالت، كأنها لا تخاطب أحدًا بعينه:

“لسنا بحاجة إلى كثير من الناس…
نحتاج فقط ألا نُترك وحدنا في اللحظة التي لا نحتمل فيها الغياب.”

ثم تركت القهوة كما هي…
هذه المرة دون انتظار أن تبرد وحدها.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد