آليات التلاعب اللغوي والخطاب الدلالي في “الجداريّة” لمحمود درويش…بقلمي ربا رباعي

منبر العراق الحر :
…..دراسة بلاغية أسلوبية تطبيقية….

يشكّل الخطاب الشعري الحديث فضاءً دلاليًا مركّبًا تتداخل فيه البنية اللغوية مع الأنساق الرمزية والتشكيلات التأويلية، بحيث يغدو النص الشعري مجالًا لإنتاج المعنى وإعادة تشكيله، لا مجرد وسيط لنقله. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة محمود درويش بوصفها واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية الحديثة اشتغالًا على الطاقات الكامنة في اللغة، حيث تتأسس قصيدته على وعي جمالي عميق بقدرة الخطاب الشعري على تفجير الدلالة عبر الانزياح والتكثيف والتوتر الأسلوبي. ومن هنا تغدو اللغة عنده بنيةً دينامية تتجاوز حدود التعبير المباشر لتتحول إلى أفق وجودي تتقاطع فيه الذات بالرمز، والواقع بالمتخيَّل، والحضور بالفقد.
وتُعدّ “الجداريّة” من النصوص المركزية في تجربة درويش الشعرية، لما تنطوي عليه من كثافة دلالية وثراء بلاغي يجعلها نصًا مفتوحًا على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل. فقد كُتبت القصيدة في سياق تجربة وجودية حادّة واجه فيها الشاعر تخوم الموت، الأمر الذي جعل الخطاب الشعري يتشكّل بوصفه مواجهةً مع الفناء ومحاولةً لإعادة بناء الذات عبر اللغة. ومن ثمّ لم تعد الكتابة فعلًا جماليًا فحسب، بل غدت فعلًا وجوديًا مضادًا للعدم.
وقد أسهمت اللسانيات الحديثة، منذ تصورات فرديناند دي سوسير، في إعادة النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلامات تتحدد قيمته من خلال العلاقات الداخلية بين الدوال والمدلولات، وهو ما فتح المجال أمام الدراسات الأسلوبية والسيميائية للكشف عن آليات اشتغال الخطاب الأدبي. ثم جاءت تصورات رولان بارت لتؤكد انفتاح النص وتعدديته الدلالية، حيث لا يُنظر إلى النص بوصفه بنية مغلقة ذات معنى ثابت، بل شبكة من العلامات القابلة لإعادة القراءة باستمرار. وفي السياق نفسه، بلور أمبرتو إيكو مفهوم “النص المفتوح”، الذي يجعل المعنى نتاجًا للتفاعل بين البنية النصية ووعي القارئ، لا معطًى نهائيًا مكتملًا.
في ضوء هذه التصورات، تتجلّى آليات التلاعب اللغوي في “الجداريّة” عبر جملة من التقنيات الأسلوبية التي تسهم في إنتاج خطاب دلالي شديد التعقيد. ويأتي الانزياح الدلالي في مقدمة هذه الآليات، إذ يعمد الشاعر إلى خرق أفق التوقّع اللغوي وإعادة توزيع الدلالة داخل السياق الشعري، بحيث تفقد المفردة معناها المعجمي المباشر لتكتسب أبعادًا رمزية ووجودية. كما يحضر التناص بوصفه استراتيجية لإعادة إنتاج المعنى، حيث تتداخل الإحالات الدينية والتاريخية والفلسفية داخل بنية النص، غير أنّها لا تُستعاد بصورتها المرجعية الثابتة، بل يعاد تشكيلها ضمن رؤية شعرية معاصرة تمنحها أفقًا إنسانيًا جديدًا.
ويتجلى ذلك بوضوح في قوله:
“هذا هو اسمك
قالت امرأةٌ، وغابت في الممرّ اللولبي”
فالاسم هنا لا يُقدَّم بوصفه علامة تعريفية محايدة، بل يتحول إلى جوهر وجودي يحفظ الكينونة من التلاشي. أما المرأة فلا تؤدي وظيفة سردية مباشرة، بل تنهض بوصفها بنية رمزية مفتوحة على احتمالات متعددة؛ إذ يمكن تأويلها باعتبارها تمثيلًا للحياة أو الذاكرة أو سلطة الغيب. ويأتي “الممر اللولبي” بوصفه صورة مكانية ذات أبعاد فلسفية ونفسية، تحيل إلى حركة دائرية لا نهائية تعكس قلق الذات وهي تعبر تخوم الحياة والموت. وهنا تتحول الصورة الشعرية من توصيف مكاني إلى استعارة وجودية كثيفة، يتداخل فيها الحسّي بالمجرّد، والمرئي بالميتافيزيقي.
كما ينهض التكرار بوظيفة تتجاوز الإيقاع الموسيقي إلى بناء التوتر الدلالي داخل النص. ففي تكرار عبارة:
“أنا لستُ لي”
لا يعود الضمير أداة إحالة مستقرة، بل يتحول إلى علامة على تشظّي الذات وانقسامها الداخلي. فالتكرار هنا يُنتج إيقاعًا دائريًا يوحي بانمحاء الهوية وتآكل اليقين الوجودي، بحيث تغدو الذات معلّقة بين الحضور والغياب، والانتماء والفقد. ومن ثمّ يتحول البناء الصوتي ذاته إلى عنصر دلالي يشارك في تشكيل الرؤية الشعرية.
ويقوم الخطاب الدلالي في “الجداريّة” على شبكة من الثنائيات المتوترة، مثل الحياة والموت، الحضور والغياب، الجسد واللغة، وهي ثنائيات لا تُطرح بهدف الحسم أو المفاضلة، بل لتوليد منطقة وسطى تتعالق فيها الحدود وتتداخل. ومن هنا تتأسس القصيدة على جدلية وجودية تجعل من اللغة فضاءً لمقاومة الفناء وإعادة إنتاج الذات. فالكتابة عند درويش ليست انعكاسًا للتجربة فحسب، بل إعادة خلق لها داخل النص.
وتتجلى القيمة البلاغية للنص في توظيفه المكثف للاستعارة والكناية والتوازي التركيبي، غير أن هذه الأدوات لا تُستخدم بوصفها زينة أسلوبية، بل بوصفها آليات منتجة للمعنى. فالاستعارة تنقل المفاهيم المجردة إلى صور حسية مشحونة بالإيحاء، فيما تفتح الكناية المجال أمام تعددية التأويل، ويمنح التوازي التركيبي الخطاب إيقاعًا داخليًا يعمّق البنية النفسية للنص. كما يتداخل المستوى الصوتي مع المستوى الدلالي تداخلًا عضويًا، بما يجعل القصيدة بنية متعددة الطبقات تستدعي قراءة تأويلية تتجاوز المعنى الظاهر إلى البنى العميقة الكامنة خلف الخطاب.
وعلى هذا الأساس، تكشف “الجداريّة” عن وعي شعري حداثي يجعل من اللغة أفقًا لإعادة تشكيل الوجود، لا مجرد أداة للتعبير عنه. فالنص عند محمود درويش يقوم على دينامية دلالية مفتوحة، تتشابك فيها الأبعاد الجمالية والفلسفية والوجودية ضمن خطاب شعري قادر على تجاوز حدود المباشرة إلى أفق إنساني أكثر عمقًا واتساعًا.

اترك رد