الفنان محمود شوبير في لوحة غراميات عنتر وعبلة….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
قراءة التحولات من مضارب عبس الى روما
يعبر الفن عن ذاتية الهاجس في الريشة واحساسها بنمو رغبة التواصل مع الحياة عبر لغة اللون والشكل والأيحاء .
والفن هو صورة الحس الكامن وعلاقته بالطبيعة وهواجسها وموجوداتها ، ، أنه يعكس حال الأنسان مع المحيط وبمستويات واقعية وخيالية واسطورية ونفسية ، وبدون فن قد تفقد الطبيعة واحدة من اهم مظاهر الوجود فيها وهو الجمال ، وهو ماكان يعتقدهُ الفلاسفة في اول رؤى التفكير بأنه الحافز الأول لمشاعر الحب وطقوس الغرام .
هذه مقدمة مختصرة لقراءة لوحة للفنان العراقي الدكتور محمود شوبير أسميتها افتراضا ( غراميات عنتر وعبلة ) ..
اللوحة هي امتداد للخصوصية الفكرية والجمالية والتقنية والاسطورية لرسالة شوبير التي تصنع لدى المتلقي تأثير المشاهدة والتأويل والمتعة ، ذلك لأن اللوحة مرسومة بفتنة من مشهد غرامي اختلطت فيه أخيلة الماضي بالحاضر ، ولأفسرها نقدياً أنها تذكير افتراضي غريب يضعه لنا شوبير في هذه اللوحة بخلق هاجس أن عبلة ايضا لترافة حياتها وغنى والدها كانت تتزين بأكسسورات غالية ، إذ يقال إن من بين غنائم حروب القبائل العرب فيما بينها كانت احجار زينة النساء التي تجلب من الهند او مناجم الجبل الأخضر في عُمان ولؤلؤ اعماق بحر مملكة البحرين الحالية التي هي الموقع الافتراضي لجنة دلمون السومرية.
يُظهرُ لنا السيد شوبير في خصوصية الفن لديه اشتغالا جماليا وفكريا جديدا ،وهو يؤسس لشوبورية اصطلاحية لظاهرة فنية تتعدد قراءاتها النقدية ومقاصدها وفي تفسري لتلك الظاهرة انها تلاعب سحري برؤى الزمن وتزاوج الامكنة وقراءة الواقع والتعبير عنه برموز من تورايخنا حتى تتضح صورة حاضرنا جيدا كما يعتقده محمود شوبير وهو يضع تلك الفلسفة بصورتها المبتكرة فعلا وحسا ومعاصرة واسطرة ، وغراميات عنترة وعبلة هي واحدة من براهين هذا النمط الغرائبي والجمالي والفكري لرسالة الفن لدى محمود شوبير .
أنه يضعنا في لجنة فنتازيا جديدة مع الانتباه الى قدرة الريشة على عكس تفكير الوجوه ( عنترة وعبلة ) ،فرمش المتلقي في مشاهدته الى اللوحة ستعيد اليه القصة بصوت الحكواتي أو تخيلها عند قراءتها في كتاب ،ل كنه سيتوقف مع الفعل الحضاري الجديد داخل اللوحة اذا أن عبلة ابدلت اكسسوارت زمن الجاهلية بماركات ايطالية حديثة جاء بها عنترة من ضمن طلبات المهر الذي اراده أبوها ، ففي الجاهلية اراد نوقا بيضاً من حضائر ملك الحيرة النعمان بن المنذر ، واليوم يريدها حقائب من كوجي وجورجيو ارماني مع ازيائهما من ثياب المهر ،وعليه ان يسافر الى ميلانو وروما ليجلبها بغزوة او بشراء ، ومتى أتى بها ارتدت هدايا حبيبها في يوم حنتها والتقطت صورة تذكارية هي لوحة ( محمود شوبير ).
تقنية اللوحة وايماءات الوجهين مثلت براعة في اتقان رسم كتلة الجسدين في اقتراب متقن للوصف الجسدي لعنترة من خلال مرويات كتب التأريخ وقصائده التي كانت من بين المعلقات .
اللوحة حين تصوير لفنتازيا حكاية الحبيبين وعصرنتها برموز من جماليات حداثة واقعنا المعاصر وما نتعرض فيه من اشكاليات حضارية وعولمية وأحداث تجدها تشكل احساسا خفيا داخل اللوحة التي تحمل دهشتها باحتراف وصنعة فنان تشكيلي محترف وموهوب . واستطاع أن يجعل بصمته برؤيتها وهاجسها ورسالتها تؤشر إليه كلما صادفنا عنتر وحبيبته والدب الدمية الذي يمثل روح المعاصرة وهي تسحب الينا تواريخ ملاحمنا وحروبنا ومجدنا وخيباتنا ضمن لوحة مؤطرة تتحدث بأحاسيس ولغات شتى..
غراميات عنترة وعبلة تعكس هاجسها على سرديتي التي هي جزء من ذكرياتي وربما ترتبط مع هاجس الحقيبة الايطالية التي تحملها عبلة في يديها ، بتلك اللحظة التي اتى بها الجيش الايطالي الى العراق بعد احتلاله في 2003 وكانت حصته أن يتموضع في قاعدة قرب زقورة أور وينشر دورياته في شوارع مدينة الناصرية ،وقتها حدثت معارك شوارع عنيفة بين الجيش الايطالي وجيش المهدي ،وايضا قام ارهابي من تنظيم القاعدة بقيادة سيارة حوضية وتفجيرها في المقر الاداري للجيش الايطالي الذي اتخذ من بناية غرفة تجارة الناصرية مقرا له وراح ضحية هذا التفجير 25 جنديا ايطاليا وهو اكثر خسائر للجيش الايطالي بعد حروب احتلالها للحبشة وليبيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية . وقتها كتبت عن لحظات حزن صوفيا لورين الممثلة التي اعشقها واعشق افلامها .
لكن اللوحة ( غراميات عنترة وعبلة ) في جماليتها كشكل لذكرياتي وكمضمون ابتعدت الى مساحة جمالية اكثر سعة في استعادة الامس البعيد يوم كنت معلما في احدى مدارس قرى الاهوار ، وكان عنترة وعبلة وصوفيا لورين يتواجدون في حياتنا اليومية هناك في مدرسة بأفق الاهوار التي رسمها الله قبل أن يرسمها الرسامون ، طبيعة لسحر الأشياء الكونية المبتكرة على شكل ماء وقصب وبقايا أثر لمدن وسلالات سومرية وشخاتير وقصائد يكتبها معلمو مدارس قرى الأهوار . واغلبهم كانوا يحملون أسماء جميلة ، وأجمل هذه الاسماء هو لبيد الذي تخرج من دار المعلمين في الحلة ، ومجلس الخدمة رماه معلمٌ في عمق الاهوار . اما أسمي فهو مشتق من ازل الجنة ، وأم كلثوم تغني له في سهرات اذاعة القاهرة ( الحب كلُ نعيم ) .
المعلمون الاربعة سفرهم الصيفي هو ساحل فارنا البلغارية بحثاً عن سماء وبحر أزرق ورمال ذهبية وخدود اشتراكية ــ شيوعية من أصل سلافي أشقر.
ذات يوم أتى الينا احد المعلمين نقلا من مدرسة اخرى اسمه (( عنتر سويف أعبيس )) وشعرنا ونحن نكتم ضحكاتنا أن عنتر من اسمه لا يحب السفر سوى الى مدينة الحيرة ( الكوفة حالياً ) ليجلب مهر عبلة ابنة مالك ابن قبيس العبسي نوقا ، النوق لاتعيش في الأهوار فسيجلب بدلا عنها الجواميس سود ، وسيتخلى ابيها عن شرط النوق البيض ،ذلك لأن جميع جواميس الأرض لونها أسود ، ولا اعرف لماذا شعرت أن المعلم عنتر مادام لايحب السفر كما افترضنا فأنه سيقع في حب واحدة من جميلات قريتنا اللائئ يتمايلن بمشيتهن الموسيقية امام أعين المعلمين في اول الصباح المدرسي ،حيث صفوف مدرستنا مصنوعة من القصب ومن دون أبواب ، ذلك عندما يأخذن قطعان الجواميس الى الهور ،ومتى غطست الجواميس في قيلولتها ، بنات القرية يعدن الى بيوتهن بذات ايقاع مشيتهن والسعادة ترسم حمرتها على خدودهن .
ومع اقتراب العطلة الصيفية ونقاشاتنا حول الحجوزات ومحطات السفر التي عادة ما تكون أما طيران مباشر بغداد ــ صوفيا ، ومن ارادها رخيصة يسافر بقطار طوروس بغداد ــ أسطنبول ، ثم بالباصات ، أسطنبول ــ صوفيا ، وقتها سألت عنتر : اظنك لاتحب السفر ، ستسافر الى بغداد تزور حديقة الزوراء ، وتعود الى بيتكم تقضي الصيف على مبردة الهواء ونوم السطوح وانت تسمع أم كلثوم تغني حكم علينا الهوى .؟
نظر اليًّ ضاحكٌ وقال :أنا كل عام اسافر الى روما ، أعشق الخدود الايطالية عكسكم انتم تعشقون الخدود الاشتراكية .
قلت :روما غالية لماذا تسافر اليها كل عام ؟
نظر اليَّ بثقة وقال : كل عام أجوب شوارع روما بحثا عن صوفيا لورين التي منذ أن شاهدت اول افلامها وقبلها كنت شاهدت فيلم عنترة وعبلة بنسختين الاولى بطولة سراج منير وكوكا والثانية بطولة فريد شوقي وعايدة هلال ، لهذا افترضت ان صوفيا لورين هي عبلة التي هام بها عنتر بن شداد ، وانا همت بصوفيا لورين لأفترضها عبلة أيطالية ، ولألتقط معها صورة ، واذا رغبت بي عريسا سأقبل بها حتما ،ولن اعود الى جحيم حشرة الحرمس أبدا ، وحتما هي لن تطلب نوقا ، بل مهرا رخيصا ،فهي لاتمتلك الان اب طماع مثل والد عبلة ..
انتهت القصة ولكن النظر الى لوحة محمود شوبير لا ينتهي ، وانت تعيش المزاوجة بين القديم والحاضر وتعيش متعة تأمل اللوحة وتفسيرها لتجد نفسك انك تسبح في فضاءات من متعة تلك التفاسير الافتراضية والتي تشعر فيها انك تلتقي تماما مع هاجس شوبير وقت رسمه لتلك اللوحة ولوحات اخرى كانا عنترة وعبلة هاجسها وفكرتها وموضوعتها ..
بين ازمنة صوفيا لورين وعبلة ابنة قبيس وعنتر معلم مدرستنا ذكريات ونهاية درامية موجعة لقصته مع لورين وعشقها له ..
كانت لوحة محمود شوبير تشع فرحا بسعادة عشق قديم ومعاصر ،لكن الامر معي لم ينتهي بفرح عبلة وهي تستبدل نوق النعمان البيض كمهر لها بماركات ايطالية غالية الثمن ،بل انتهت بمرثية قدرية عجيبة عندما عدت الى مدينتي بعد سنوات طويلة في المهجر ،وفي المقهى صادفت احد المعلمين من كان معي في المدرسة في قرية افق الاهوار واستعدنا الذكريات ،وسألته عن المعلم عنتر سويف أعبيس وان كان قد هاجر الى ايطاليا واستقر هناك يبحث عن صدفة لقاء مع صوفيا لورين .
فجاة هطلت دمعة على خده وهو يخبرني أن المعلم عنتر سويف عبيس كان من بين ضحايا التفجير لمقر القوة الايطالية إذا كان يمر صدفة في ذات مكان ولحظة التفجير .

اترك رد