منبر العراق الحر :
أنظرُ إلى تفاصيل وجهي مُصادفة في مرآة مُعلقة بجدار أراني لعبة مِنْ قماش لا
تعابير حيّة تشرح دواخلي بوضوح يشبه الروح ..
كأنّ الوجوه تتقلص و ترتاح حسب الحالة النفسيّة
كثيرة هي الأفكار العابرة التي لا تمتزج بالبال أو تؤثر على ملامحنا و قليلة
المواقف التي تعلق في دهاليز الذهن ..
كلّما مشيت خارج مدار بيتي، عيون تراقب ملامحي، لا أدري لماذا؟ أو ربّما أتوهم ..
كنتُ دائماً أسير برفقة ابتسامة على قيد حياة و نظرة واضحة و خيال يقول
صارخاً: – خذيني إلى قمّة السعادة ..
الآن بكل برود أجالسُ أصدقاء في ملتقيات مُنوّعة، أردّ سلامات عابرة و ابتسامات
مُجاملة ..
لكلّ شخص سمات معينة، تُرى ماذا يخفي الناس وراء تعابيرهم؟
أكون قابعة فوق كرسي و إذ أجدني على طرف غيمات مخمليّة أفرشُ وريقات و
ألون ملامح كمَا أرغب فجأة أهبط مُجبرة على صوت الواقع ..
أتذكر فنان تشكيلي استوقفني على الطريق قبل أربع سنين عند مدخل سوق
الحميديّة يريد رسم ملامح وجهي
اعتذرت حينئذ: – ليس معي كي أعطيك أجرك.
يتوسل بغرابة: – نصف ساعة فقط أنقل صفاء ملامحك
إلى صفحتي لا أريد نقودك.
البارحة عسكري على الحاجز طلب الهويات، تجاهلته
يميل رأسه: – ماذا عنكِ؟
– أنا؟ .. بعصبيّة يرد:- لا أنا، هاتي هويتك..
يُدقق: هذه الصورة لا تشبهك.
– صورتي صدقني.
أذكرُ صديقة أخذت صوراً للجميع في أمسية أدبية، سألتها بالله أنْ تبعد عدستها
عن وجهي التعس ..
تسأل مُستغربة: لماذا تخافين الكاميرا عزيزتي؟
صديق مصوّر لا تزال كلماته تقطن رأسي: – لماذا لا تحبين صورك؟ أراها مُعبّرة
عن الطيب الريفي الوديع..
– الصور قد تنقلنا إلى الآخرين بشكل لا يُشبهنا،
دواخلنا ممكن تكون أصدق مِن ظلال على كرتون مقوّى،
كلّ يرى حسب ما يظنّ و أنا أراني مع أسراب حائرة تدور
في فضاء رأسي فيما يحدث في الساحات على جميع الأصعدة..
في حُجرة مُنعزلة أقعد وحدي، لا أريدُ رؤية الوجه المُتورم و لا الدموع التي تتسكع
حسب الراحة ..
أجالسُ عتمة هاربة من زحام الصخب، كي لا تتقطع مشاعري وسط نهارات
مزدحمة
خلف حواجز متتالية و جنائز عابرة و عري سافر و خطوب..
أُشعلُ التلفاز، تقفز في وجهي مُغنيّة عربية، تلبس حبالاً أجنبية تغطي بعض أجزاء
نافرة مِن بدن مكشوف بشكل مُفزع، تنتابني قشعريرة وأحزن عليها و علينا جميعاً
نحن النساء، لا أدري هل أخجل؟ أمْ ماذا؟ و أسكت مُرغمة..
.. شيء منّا اليوم لا يشبه أنفاسنا و لا أفكارنا و لا عصافير مُخيّلتنا الصافية،
أظن لو كانت تتشكل الملامح مع غيوم شاردة متقلبة
أو مع فراشات حائرة تتنقل كيفما اتفق لكانت أصدق..
ماذا نفعل كي نظهر نور دواخلنا
و تتجسّد ملامحنا كضياء يُضاهي الشموس؟
مَنْ يُكنس ثرثرة رأس مضغوطة؟
كمْ أنا سخيفة ماذا تعني الملامح؟
كمْ هي الهالات الدائرة حولنا زائفة؟
كمْ يحيط بنا منْ خداع للبصر والشعور؟
أمقت كلّ نسيج لا طراوة فيه ..
بُكاء يعودُ نحوي مهرولاً كأنّه يهوى أنْ يستفرد بي بعد نوم المصابيح المُتعبة ..
أتوغلُ أكثر في حنايا خفيّة، أرى حزناً رابضاً دواخلي يتململ بين ضلوع مُستغربة،
يرغب النزوح من شِباك ضيقة ..
أقوم بكسل على موسيقى انطلقتْ مِن هاتفي النقّال،
صديقتي مديرة مركز ثقافي تدعوني إلى المشاركة
بأصبوحة أدبية تحكي عن مكانة المرأة العربيّة
في المجتمع السوري الفلسطيني..
أمسحُ دموعَ البنفسج الحزين و أنهض بثقة و أمل لأستعيد في نسيج البال
قراءة لوح خطه طبشور الماضي، صار في تاريخ الأمس دونَ أنْ يترك أثراً في
بعض النفوس،
جملة آخرها على ما أظن، جمال علم و أدب ..
لا هروب مِن الدعوة إذاً سأذهب برفقة الوجه المُتعب.
أقومُ راغبة بعض شيء و أتناول مِن مكتبتي الصغيرة ديوان شِعر، أقشّر جلده
كبرتقالة شهيّة على أمل أنْ أتناول وجبة طيّبة مِن مائدته الفاخرة، أغذي بها تلك
الشرايين الفاترة،
بينَ سراديبه العتيقة ثمّة مشاهد مُنيرة ترضي بعض شغف
وراء صور وردية و ستائر مُفعمة بأريج زكي أرى ملامح مخضوضرة في حروف
قصيدة عريقة
فأبتسمُ برضا و أغلقُ صفحات أدخلتني جنّة حقيقية
للحظات هاربة ..
.. هُدى الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر