كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب ….د. جوتيار تمر

منبر العراق الحر :
كوردستان / 27-3-2026
في الشرق الأوسط، أكثر الأخطاء شيوعا في الكتابة السياسية هي البدء من الحدث والانتهاء عنده، كأن الحرب أو الانقلاب أو الأزمة الاقتصادية وقائع قائمة بذاتها لا جذور لها؛ لكن الكتابة التي تستحق أن تقرأ لا تتعامل مع الخبر بوصفه نهاية التحليل، بل بوصفه علامة على بنية أعمق تعمل تحت السطح، فالمسألة ليست أن نصف ما جرى، بل أن نفهم لماذا يتكرر ما جرى بصيغ مختلفة، ولماذا تبدو هذه المنطقة وكأنها تعيش داخل دورة تاريخية لا تنكسر بسهولة. والتغريد خارج السرب لا يعني الغموض، بل يعني امتلاك زاوية رؤية ترى ما لا يراه الخطاب المألوف.
إذا أردت أن تكتب مقالا مختلفا، فابدأ من سؤال غير مريح: هل المشكلة في الشرق الأوسط هي في كثرة الأزمات، أم في طبيعة البنية التي تنتج الأزمة؟ هذا السؤال ينقل المقال من مستوى التعليق إلى مستوى التشريح؛ فالدولة هنا ليست دائما نتاج مجتمع حديث، بل كثيرا ما تكون أقدم من مؤسساته المدنية، وأضعف من أن تحتكر الشرعية، وأقوى من أن تحاسب بسهولة. لذلك لا تفهم السياسة عبر الدساتير والأحزاب وحدها، بل عبر شبكات النفوذ وتوازنات القوة.
ولعل ما حدث مؤخرا في إقليم كوردستان، حين أدت ضربات استهدفت منظومة الطاقة إلى انقطاع واسع للكهرباء في معظم المدن، يقدم مثالا حيا على ذلك: فالأزمة لم تكن تقنية فقط، بل كشفت هشاشة البنية واعتمادها على توازنات خارجية أكثر مما كشفت عن خلل إداري عابر؛ هنا يصبح الحدث مدخلا لفهم البنية، لا مجرد خبر يستهلك وينتهي.
والبعد الاقتصادي ضروري لفهم هذا المشهد؛ فدولة الريع لا تبني علاقة تعاقدية مع المجتمع بقدر ما تدير علاقة توزيع؛ المواطن يتلقى أكثر مما يشارك، وحين تغيب قاعدة “لا ضرائب بلا تمثيل”، تتحول السياسة إلى شأن نخبوي ضيق، لا إلى صراع اجتماعي مفتوح، وهنا لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: كيف تدار الموارد، ولصالح من؟.
أما البعد الفلسفي، فهو الذي يمنح النص عمقه الحقيقي؛ فالفلسفة السياسية لا تسأل فقط: من يحكم؟ بل: لماذا يطاع؟ ومتى تتحول الطاعة إلى خوف؟ ومتى تصبح الشرعية مجرد غطاء للقوة؟ وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: كلما ضعفت شرعية الدولة في الواقع، ازداد خطابها إصرارا على تأكيدها؛ ليست الأزمة دائما في غياب الخطاب، بل أحيانا في تضخمه.
والوعي التاريخي هو ما يحول المقال من انطباع إلى قراءة؛ الشرق الأوسط ليس مساحة ثابتة، بل تاريخ طويل من التحولات؛ إمبراطوريات سقطت، وحدود رسمت، وجماعات صعدت، وأخرى أصيت، لذلك لا يكفي أن نشير إلى صراع طائفي أو تدخل خارجي، بل يجب أن نفهم كيف تشكلت هذه المفاهيم، وكيف تحولت إلى أدوات في الصراع؛ والأخطر من ذلك هو التعامل مع المنطقة كاستثناء تاريخي، وكأن ما يحدث فيها خارج منطق التاريخ العالمي، بينما هو في جوهره جزء من مسار أوسع لتشكل الدولة الحديثة وصراعات ما بعد الاستعمار؛
لكن ماذا لو كان الخطأ في السؤال نفسه؟ ماذا لو لم يكن الشرق الأوسط منطقة أزمات استثنائية، بل مرآة مكثفة لما يمكن أن يحدث حين تبنى الدولة قبل أن يكتمل المجتمع، وحين تتقدم القوة على الشرعية؟ بهذا المعنى، نحن لا نقرأ حالة شاذة، بل حالة مكثفة.
والبعد العسكري لا يمكن فصله عن كل ذلك؛ فالجيش في كثير من دول المنطقة ليس مجرد مؤسسة دفاع، بل فاعل سياسي مباشر أو غير مباشر. حضوره يعيد ترتيب أولويات الدولة: البقاء أولا، ثم الردع، ثم السيطرة، ويأتي الإصلاح لاحقا إن جاء؛ لذلك، أي تحليل يتجاهل المؤسسة العسكرية يظل ناقصا، حتى لو بدا موضوعه مدنيا.
الكتابة المختلفة تتطلب أيضا أسلوبا مختلفا؛ لا تكتب وكأنك تكرر أجوبة محفوظة، بل وكأنك تفتح بابا جديدا للفهم، اجعل لغتك واضحة، لكن لا تختزل الفكرة، واجعل كل فقرة تؤدي وظيفة محددة، بحيث يصبح المقال بناء معرفيا لا مجرد رأي.
الكتابة التي تغرد خارج السرب لا تبحث عن الصدمة، بل عن الدقة، لا تريد أن تكون ضد السائد لمجرد المخالفة، بل أكثر وفاء لتعقيد الواقع، ومن يكتب عن الشرق الأوسط بهذه الروح يدرك أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث اليوم؟ بل: أي تاريخ طويل جعل هذا اليوم ممكنا؟ ومن هنا تبدأ المقالة الجيدة، ومن هنا تبدأ الأصالة.

اترك رد