قصائد….رانية مرجية

منبر العراق الحر :

أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت

يا أحمد…

ليس هذا نداءً،
بل محاولةٌ أخيرة
كي لا يسقط اسمك من حنجرة هذا العالم.

نكتبك الآن
كما يُكتب الناجون أسماءهم
على جدرانٍ مهدّمة،
كي لا يبتلعهم الغياب كاملًا.

لم تكن صوتًا…

كان صوتك يجيء من مكانٍ أعمق
من الحنجرة،
من ذلك الكسر الخفيّ
الذي يجعل الإنسان إنسانًا،
لا شاهدًا باردًا على خراب نفسه.

كنتَ تعرف
أن الأغنية ليست عزاءً،
بل شهادة.

ولهذا،
حين قلتَ “أناديكم”،
لم تكن تستدعي الغائبين،
بل كنتَ تُحرج الغياب،
وتضعه أمامنا
كجريمةٍ لا تسقط بالتقادم.

يا أحمد،

في زمنٍ صار فيه الصوت زينة،
كنتَ أنت ضرورة.

وفي زمنٍ تعلّم فيه الناس
كيف ينجون بأنفسهم،
كنتَ تُصرّ
على أن النجاة لا تكون
إلا جماعية،
أو لا تكون.

نحن لا نبكيك لأنك رحلت،
بل لأن الزمن الذي يشبهك
يرحل معك.

لأن تلك المسافة
بين الأغنية والضمير
— التي كنتَ تحرسها —
صارت الآن مكشوفة،
تحت ضوءٍ فاضح
لا يُنتج حقيقة،
بل يستهلكها.

أتذكّرك
لا كصوتٍ بعيد،
بل كمشهد:

مذياعٌ صغير
في بيتٍ ضيّق،
أمٌّ تُخفّف خوفها
بأغنية،
وطفلٌ لا يفهم الكلمات،
لكن قلبه يرتّبها
بطريقته،
ويصدّق.

هكذا كنتَ تعمل:
تدخل خفيةً،
وتترك في الداخل
أثرًا لا يُمحى،
كندبةٍ تتعلّم منها الروح
كيف لا تنكسر.

يا أحمد،

لم تكن بريئًا…
وهذا أجمل ما فيك.

كنتَ منحازًا،
واضحًا كجرح،
وحادًا كحقيقة.

لم تُغنِّ للعالم كما هو،
بل كما يجب أن يكون،
ولهذا
دفعتَ من صوتك
أكثر مما يحتمل الصوت.

كنتَ تعرف
أن الأغنية إن لم تُقلق
لا تستحق أن تُغنّى،
وأن الجمال،
حين ينفصل عن العدالة،
يصير نوعًا من التواطؤ.

رحلتَ الآن…

لكن الرحيل،
في حالتك،
تفصيلٌ صغير.

الكبير هو هذا الأثر
الذي لا يعرف كيف يهدأ،
وهذا الصوت
الذي فقد جسده،
لكنه لم يفقد طريقه إلينا—
كأن الغياب نفسه
صار آلةً إضافية
في أغنيتك.

نم…
إن استطعت.

أما نحن،
فعلينا أن نواجه ما تركتَه لنا:

هذا السؤال الثقيل—
كيف نعيش
دون أن نخون ما سمعناه منك؟

كيف نُكمل الأغنية
دون أن نُخفّف حقيقتها
كي تناسب ضعفنا،
أو نُقصّرها
كي تمرّ بسلام؟

سلامٌ عليك
لا لأنك رحلت،
بل لأنك بقيتَ
أكثر مما يحتمل الغياب.

سلامٌ عليك
يوم كنتَ تُغنّي
فنخجل من صمتنا،

ويوم رحلتَ
فصرنا نسمعك أكثر،

ويوم سنفهم أخيرًا
أنك لم تكن تُناديهم فقط…

كنتَ تنادينا،
لا لنبكي،
بل لنرتقي إلى مستوى النداء—
أو نعترف، أخيرًا،
أننا كنّا
أقلّ منه.

==========================

على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة

مرتاحُ القلبِ…؟
كذبةٌ صغيرةٌ نقولها
كي لا نعترف
أنّ في داخلنا ثورةً لم تكتمل.

أنا لا أمشي…
أنا أتمرّد،
على الطرقِ التي رُسمت لي،
على الأسماءِ التي أُلبستُها،
على النسخةِ التي أرادها العالمُ منّي.

قلبي ليس هادئًا،
قلبي ساحةُ احتجاج،
تهتفُ فيها الأسئلةُ
ضدَّ كلِّ يقينٍ مزيّف.

أيُّ ضميرٍ هذا
الذي ينامُ فوقَ الظلم؟
وأيُّ راحةٍ
تُشبهُ موتًا بطيئًا
نُسمّيهِ سلامًا؟

أنا لا أبحثُ عن الطمأنينة،
أنا أبحثُ عن الحقيقة،
والحقيقةُ لا تُهدّئ،
الحقيقةُ تشعل.

في داخلي نارٌ
لا تريدُ أن تحرقَ الآخرين،
بل أن تُنقذني
من رمادي القديم.

سأكسرُ اللغةَ إن لزم،
وأعيدُ تسميةَ الأشياء:
الخوفُ ليس قدرًا،
والصمتُ ليس حكمة،
والانكسارُ ليس نهاية.

أنا ابنُ لحظةٍ ترفضُ الركوع،
وصوتي—
ولو كان وحيدًا—
أصدقُ من جوقةِ صمتٍ
تُتقنُ الخنوع.

مرتاحُ القلبِ…؟
لا.
لكنّهُ حيّ،
والحياةُ
ليست أن تهدأ،
بل أن تشتعل
دون أن تفقدَ إنسانيتك.

أنا الثورةُ حين تفهمُ نفسها،
لا كغضبٍ أعمى،
بل كوعيٍ يرفضُ
أن يعيشَ كما يُملى عليه.

وأمشي…
لا نحوَ نهاية،
بل نحوَ ذاتٍ
لا يستطيعُ أحدٌ
أن يكتبَها بدلاً عنّي.


رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد