منبر العراق الحر :
الصمتُ تلك اللحظاتُ المتناثرة في هوامش الزمن، حين تتدفّق الحروف شظايا في تجاويف القلب، فتبدو كأنها تعانق الروح في صمتٍ مهيب، ثم تتبدّد في ظلال الأحلام بين شتات الأيام الموجعة. هو حالةٌ وجودية يتجاور فيها الألم والأمل، إذ ينبض القلب بإصرارٍ خفيّ، ويجوب سماء الاحتمال متخفّيًا، ثم يهطل كالمطر في ربيعٍ داخليٍّ يغسل الذاكرة ويبعث فيها ابتسامةً مؤجلة.
وفي امتداد الطريق، تمضي الذات حاملةً بذور المعنى، تُنبت زهرةً في أرضٍ مراوغة، أرضٍ تهرب كما يهرب العمر، فلا تفصح عن ثقلها، ولا تُعلن وطأة أجوائها. هناك، يخيم أفق الصمت على صفحات الريح، رابضًا في مواجهة القيود، متحوّلًا من انكفاءٍ سلبيّ إلى طاقة كامنة تنتظر انعتاقها.
الصمت ليس فراغًا لغويًا، بل خطابٌ مؤجل، تهمس به النفس لنفسها، وتخفيه خلف ستار التجلّد. إنه المجال الذي تعجز فيه اللغة المنطوقة عن استيعاب فائض الشعور، فتتراجع الكلمات، ويبقى المعنى معلقًا في فضاءٍ لا يطالُه اللسان. غير أنّ الحروف، حين تُستدعى بوعيٍ صادق، قادرةٌ على تفكيك هذا الاحتباس، وتحويل الصمت من عبءٍ وجودي إلى فعلِ انتصار.
فخذ من الأيام جرعة الحب، لا بوصفه انفعالًا عابرًا، بل باعتباره موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا، يُعيد للذات توازنها، ويمنحها القدرة على تجاوز انكساراتها. عندئذٍ يصبح الصمت اختيارًا واعيًا، لا عجزًا؛ قوةً متماسكة، لا انسحابًا؛ أفقًا مفتوحًا على المعنى، لا ظلامًا مغلقًا على الألم.
بقلمي
ربا رباعي/ الاردن
منبر العراق الحر منبر العراق الحر