الجيش العراقي بين الدولة والمستثمر: سقوط المعايير وتآكل الرمزية* ….ناجي الغزي

منبر العراق الحر :
في مشهدٍ غير مسبوق في تاريخ الدولة العراقية الحديثة نظمت *جامعة التراث الأهلية* احتفالاً صاخباً بمناسبة تخرج دفعة من طلاب الصيدلة، إسوة بكل الكليات والجامعات العراقية الحكومية والاهلية. ما أثار الجدل، بل الصدمة، هو مشاركة قطع عسكرية وكراديس استعراضية، تمثل صنوف الجيش العراقي، مع حضور ضباط برتب عسكرية كبيرة، على المنصة بحضور وزير التعليم العالي والمستثمر. ورافق هذا الاستعراض حملة إعلامية موجهة، وجوق موسيقي يعزف… لا لذكرى تأسيس الجيش، ولا لانتصار وطني، بل لتحية مستثمر الجامعة، *الحاج علي العكيلي*، الذي بدا وكأنه *رئيس جمهورية* وليس رجل أعمال.
إن ما جرى ليس مجرد خرق بروتوكولي، ولا خطأ تنظيمي، بل *يكشف تصدعاً خطيراً في البنية المفاهيمية للدولة العراقية، وتحولاً رمزياً يمس المؤسسة العسكرية ذاتها *، فحين تُسخَّر إحدى أعرق مؤسسات الدولة *الجيش* التي كانت وما زالت إحدى الركائز السيادية للدولة، للمشاركة في احتفال دعائي لصالح مستثمر.
*أين واجبات الأركان؟ وأين الدولة؟*
في السياقات العسكرية المعروفة والمعمول بها في كل جيوش العالم، بما فيها الجيش العراقي، لا يمكن لأي قطعة عسكرية أن تغادر موقعها أو ثكنتها دون *أمر رسمي واضح، ممهور بتوقيع، ومرسل وفق قنوات رسمية عبر “برقية حركة” من رئاسة الأركان إلى آمر الوحدة العسكرية*. ما جرى يعرف عسكرياً بـ”واجبات الأركان – شعبة الحركات”، والتي تحدد تحركات الوحدات العسكرية بدقة صارمة منعاً لأي تسيب أو استغلال سياسي أو شخصي.
السؤال الجوهري هنا: *بأي صفة ومن أي جهة، صدرت هذه البرقيات؟ ومن أعطى الإذن بخروج هذه الكراديس والضباط للمشاركة في مناسبة تخص مستثمراً خاصاً؟*
إن تجاوز هذه الإجراءات الصارمة، وظهور القطعات العسكرية بهذا الشكل في حفل جامعي خاص، يُعد *تجاوزاً للبروتوكولات العسكرية، وإهانة لمفهوم الانضباط المؤسسي الذي يُفترض أن يكون الجيش حاميه الأول*.
لذلك من غير المعقول، بل من غير المقبول وطنياً وأخلاقياً، أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى جزء من مشهد علاقات عامة. الجيش الذي تأسس قبل أكثر من مئة عام، بُني على أساس الدفاع عن سيادة العراق وكرامة شعبه، لا يُختزل في فرقة موسيقية تعزف لمستثمر خاص، ولا في ضباط يؤدون التحية لمن يملك المال والنفوذ..
*رمزية المال في ظل غياب الدولة*
لم يعد خافياً على أحد أن المال والنفوذ في العراق أصبحا أقوى من القانون، وأعلى صوتاً من مؤسسات الدولة. ما حدث في جامعة التراث ليس حدثاً عادياً، بل تجسيد لانقلاب في المفاهيم: المستثمر يُحيّى كقائد، والجيش يُستعرض كفرقة استعراضية، والقانون يُغيّب، والمحاسبة تُنسى، والهيبة تتبخر.ىوالأسوأ من الحدث ذاته هو غياب أي موقف رسمي من الجهات العليا.
إن المشهد يكشف ما هو أعمق: تقدّم المال والعلاقات على القيم المؤسسية والسيادة. حين يصبح رجل الأعمال أكثر احتراماً من المفكر والأستاذ الجامعي، وأكثر حضوراً من القيادي والمناضل الوطني، ويُعامل معاملة القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإننا نكون قد دخلنا فعلاً في مرحلة ما بعد الدولة، حيث القانون يُطبّق على الفقير، والهيبة تُمنح للأثرياء، والانتماء للوطن يُستبدل بالولاء لمراكز النفوذ.
ما حدث يجب أن يُقرَأ بجدية، ليس كحادثة معزولة، بل كعرضٍ لأزمة أعمق تضرب بنية الدولة العراقية: غياب القانون، اختلاط المال بالقرار، وتراجع الثقافة المؤسساتية لصالح الولاءات الشخصية والمصالح الخاصة.
ما نراه اليوم هو الدولة تسير بلا معايير ثابتة، بلا خطوط حمراء، وبلا قدرة على الدفاع عن رمزيتها الوطنية. دولة تُختزل في مشهد احتفالي، جيش يُستغل لصورة إعلامية، ومجتمع يُترك مذهولاً بلا إجابة.
من هذا المنطلق ولا يجوز لنا الصمت، أمام هذه *”المهزلة المؤسسية”*. ما حدث في جامعة التراث ليس مجرد تجاوز إداري، بل *إهانة علنية لفكرة الدولة، واحتقارٌ لدور الجيش كمؤسسة وطنية. *ومن لا يرى في ذلك خطراً استراتيجياً على مستقبل الدولة العراقية، فهو إما جزء من المشكلة، أو غافل عن حقيقتها.

كاتب سياسي

اترك رد