منبر العراق الحر :
في زاوية معتمة من العقل الجمعي، تربى الإنسان العربي وربما الإنسان المعاصر عموما على أن الفرح زائر ثقيل الظل، لا يستحسن بقاؤه طويلا، وأن الضحك بصوت عال نوع من الفجور الشعوري، وأن الانكسار هو الدليل الوحيد على النضج
إننا نولد ضاحكين، لكننا نربى على الحذر من الفرح. كأن الحياة تعلمنا مبكرا أن البهجة نذير شؤم، وأن الضحك إن لم يكن مكبوتا فهو مدعاة للريبة. هكذا تشكلت في وعينا الجمعي ثقافة الوجل من السعادة، وصرنا نبكي من القلب ونضحك من وراء القلب. كأننا نعتذر للقدر كلما ابتسمنا، ونسترضيه بالدموع لئلا يبطش بنا بعد لحظة فرح مباغتة.
وكأننا كلما ابتسمنا استنفرنا قوى الغيب، وكلما ضحكنا خشينا أن تباغتنا مأساة.
صرنا نرتاب من السعادة، ونرتديها كما نرتدي المعاطف في المواسم العابرة، نخلعها سريعا حين تشتد رياح الواقع. أصبحنا نحيا بين قوسين من وجع موروث، قوس البداية الخائفة، وقوس النهاية المأساوية المتوقعة. وكأننا نعيش الحياة على طريقة التحف الزجاجية، نلمسها بحذر، ونضحك بخجل، ونبكي بيقين.
إن الحزن حين يتحول إلى عادة، يغدو أخطر من أي مأساة. فالألم الآتي من الخارج قد يحتمل، أما الألم الذي نتصالح معه ونتبناه ونحميه في داخلنا، فإنه يصير جزءا من هويتنا، بل من يقيننا. واليقين بالحزن هو أسوأ أشكال اليقين، لأنه يمنعنا من الإيمان بالفرح دون شروط.
صرنا نبكي من القلب، ونضحك من وراء القلب، حتى لا نستفز الأحزان المزمنة التي سكنت أعماقنا. فغدت ثقافتنا، من دون وعي، تطبع أبناءها على الحزن، وترى في الضحك قلة أدب، بينما ترفع التجهم وأصحاب الوجوه الصارمة إلى مرتبة الأدب والتهذيب. الحزن عندنا صار هو الأصل، والفرح استثناء مشكوكًا في شرعيته.
نحن جيل أدمن الحزن، فصار يزهر في دواخلنا كأزهار الخريف، جميلة، لكنها سرعان ما تذبل وتموت.
لكن في خضم هذه اللامعقولية الوجدانية، تأتي الأعياد كأيام استثنائية في تقويم الروح.
العيد، في جوهره، ليس احتفالا عابرا أو طقسا اجتماعيا فحسب، إنه لحظة وجودية نادرة نمارس فيها ما نكاد ننساه، الفرح كحق إنساني، لا كمكافأة مشروطة
في العيد، تتساقط الأقنعة، وتخفت أصوات الهموم، ليعلو صوت القلب الطفولي فينا. في العيد، نكاد نصدق، ولو لوهلة، أن العالم يستحق الحب، وأننا نستحق السعادة.
فالعيد ليس ثوبا جديدا، بل روحا متجددة، ليس ضجيج الأسواق، بل دفء اللقاء، ليس تكرار الطقوس، بل تجدد الأمل في أن الحياة، برغم كل شيء، تستحق أن تعاش بفرح.
بل العيد لحظة فلسفية عميقة، فيها يتمرد الإنسان على رتابة الزمن، ويعلن، ولو لوقت وجيز، أن الحياة ما زالت ممكنة، وأن القلب لم يتحول بعد إلى آلة.
فلتكن الأعياد إذًا فرصة للتمرد على الحزن، وكفرًا مقدسا بثقافة الألم والتجهم المزمن، وتجريبًا حرًا للضحك الخالص دون خوف أو شعور بالذنب. لأن الضحك في جوهره موقف فلسفي أيضًا، هو إعلان ناعم بأننا اخترنا الحياة، رغم عبثها، رغم تناقضاتها، رغم كل ما فيها من فجائع.
العيد ليس مناسبة عابرة، بل هو موقف وجودي يشبه ما تحدث عنه ألبير كامو حين وصف العبث والتمرد على معناه، فالفرح في زمن الألم ليس إنكارا، بل فعل مقاومة ناعم. أن تفرح وأنت تعي هشاشة العالم، يعني أنك اخترت الإنسان فيك، لا الآلة.
أن نؤمن بأن البهجة لا تحتاج إلى مبررات، بل إلى قلوب حرة قادرة على التلقي والعطاء.
في العيد، ينتصر الإنسان على الزمن، على الوجع، على كل ما حاول أن يسلبه حقه في الحياة.
في الأعياد، تنتصر الفطرة على التصنع، والعفوية على البرمجة اليومية.
فجأة، نكتشف أن الضحك لا يحتاج إلى مناسبة، بل إلى لحظة صدق. نضحك لأننا نحب، لا لأننا نملك، نبتسم لأن القلوب الطيبة حولنا تعطينا معنى، لا لأن حياتنا خالية من الألم.
العيد لا يكتمل بالثياب، بل بالأعين التي تلمع عند اللقاء. في طفولتنا، كان يكفي ثوب جديد ليصنع العيد، واليوم صارت الثياب فاخرة، لكن أرواحنا مثقلة، تبحث عمن يراها، لا ما ترتديه. فالمعنى ليس فيما نملكه، بل فيمن نشركه لحظاتنا.
فلنضحك كما يبكي الأطفال، بعفوية لا تخشى التفسير، ولنمنح قلوبنا إجازة من الحذر، فقد طال مكثها في الظل. ولنتذكر دائما أن في داخل كل منا طفلا لا يزال ينتظر عيدا لا يشبه ما مضى.
نعم، لقد كبرنا، لكن الطفلة التي فينا لم تكبر. لا تزال تهرول في زوايا الروح، تنثر الفراشات والضحك، ترفض أن تهزم أو تقصى. وكل عيد نعيشه بفرح، هو بمثابة رسالة منها تقول، أنا هنا، ما زلت أؤمن بالعيد، بالحب، بالحياة.
فلنفتح نوافذ الفرح، ولنضحك كثيرا، لأننا ببساطة ما زلنا أحياء.
تأتي الأعياد كاستراحة وجدانية، كهمسة تقول، ما زال في القلب متسع للحب، وما زال في العالم متسع للفرح.
فلنعلنها إذا ثورة داخلية ضد الحزن المزمن، ولنضحك دون تأنيب، دون قلق، دون أن نترقب صفعة الواقع بعد كل بسمة. فالحياة، كما يقول دوستويفسكي، لا تقاس بعدد الأنفاس التي نأخذها، بل باللحظات التي تخطف أنفاسنا من شدة جمالها.
لنكسر التقاليد الخفية التي جعلتنا نخجل من السعادة، ولنمنح الطفلة التي بداخلنا حق الظهور، في كل عيد، دون خوف من خذلان أو خيبة. هذه الطفلة لا تكبر، لا تيأس، ولا تؤمن بأن الحزن قدر أزلي.
كل عيد نعيشه كما نحب، لا كما يفرض علينا، هو عيد ننتصر فيه على الزمن، على الصمت، على الاغتراب. وكل ضحكة نطلقها من القلب، هي إعلان ناعم بأننا لم نستسلم بعد.
كل عام وانتم بهجه الأعياد.. كل عام وانتم بخير
منبر العراق الحر منبر العراق الحر