الأم بين النمط والرمز من الصورة التقليدية إلى تمثيل الوطن في الأدب العربي الحديث… بقلم د. عبير خالد يحيي

منبر العراق الحر :
في الأدب العربي الحديث، لم تكن الأم مجرد شخصية ثانوية تؤدي دورها العاطفي أو التربوي فحسب، بل تحولت إلى كيان رمزي يُختزل فيه الوطن، القيم، الذاكرة، والمصير. وفي هذا التحول، انقسم حضور الأم بين صورتين متوازيتين: صورة نمطية تقليدية تُعيد إنتاج أدوار الأمومة كما كرّستها البنية الاجتماعية، وصورة رمزية حديثة تمثّل فيها الأم الوطن الجريح أو الحنون أو المفقود.
أولًا: الصور النمطية للأم في الأدب العربي الحديث
غالبًا ما تمثّلت الأم، في النصوص السردية والشعرية، بصورتها التقليدية المتكررة:
الأم الحنون المضحية التي تُنكر ذاتها من أجل أبنائها.
الأم التي تتحمل مصاعب الحياة بصمت، وتُجسد دور الحافظة للقيم، الساهرة على تنشئة الجيل.
الأم التي تقف خلف الأب أو الابن دون أن تشغل واجهة السرد، بل تكون خلفية ناعمة للأحداث.
هذه الصور، رغم واقعيتها، ظلت أسيرة الرؤية الذكورية أو المحافظة التي حدّت من فاعلية الشخصية الأمومية، فجعلتها أداة دعم لا فاعلًا سرديًا أو دلاليًا مستقلًا. وقد أشار مقال في مجلة ديالى للبحوث الإنسانية إلى أن صورة الأم في الشعر العربي الحديث غالبًا ما ترتبط بالحنان والتضحية، مما يعكس النظرة التقليدية لدورها في المجتمع.
ثانيًا: الأم كرمز للوطن في الأدب العربي الحديث.
مع تصاعد القضايا الوطنية وتفكك الهويات في ظل الاستعمار والحروب والنكبات، بدأ الأدب العربي يُحمّل شخصية الأم أبعادًا رمزية جديدة. ففي كثير من النصوص، لم تعد الأم فقط حامية الأسرة، بل تحولت إلى صورة رمزية للوطن بكل ما يحمله من فقد وحنين وأمل وجرح.
نجد ذلك مثلًا في:
شعر محمود درويش، حيث تختلط صورة الأم بفلسطين، وتتحول “أحن إلى خبز أمي” إلى أيقونة حنين للوطن والهوية. وقد أشار تحليل في صحيفة الخليج إلى أن درويش يمزج بين عالم الأم الحقيقي والوطن، بحيث يتداخل الأمر على القارئ، إن كان يتحدث صراحة عن الأم أم يتحدث عن الوطن.
وفي الروايات السورية والمغاربية، تظهر الأم بوصفها رمزًا للأرض، والتاريخ، والمستقبل المهدد.
الأم المفقودة في النصوص التهجيرية ترمز غالبًا إلى وطن مغتصب أو ممزق، وغيابها يعكس ضياع الهوية.
في هذه التحولات، لم تعد الأم محصورة في الداخل العائلي، بل خرجت إلى فضاء الأوطان، وشاركت في تمثيل الخطاب المقاوم، والانكسارات القومية، وتراجيديا النزوح والانتماء.
ختامًا
بين النمط والرمز، يتراوح حضور الأم في الأدب العربي الحديث، غير أن صيرورتها نحو أن تكون صورة مكثفة للوطن تمثل نقلة نوعية في التعامل مع الشخصية الأنثوية، خصوصًا حين تمتزج بالأرض، والبيت، والهوية، وحتى بالحلم السياسي. إنها ليست فقط من تُنجب الأبناء، بل من تُنجب الوطن ذاته في الذاكرة واللغة.
#دعبيرخالديحيي
#مقالات_صحفية

اترك رد