الناصرية : محلات باتا سيد صادق وكاظم الحلو الحباب…….! نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

لم يجد الله بلادا غير اور ليصنع فيها الصبر والتحمل ، لهذا انزل فيها أيوب ، ومن طين فراتها صنع دموع أمهات الشهداء لكثر ما نالت هذه الأرض من حروب ومضاجعة السرير.وموتا في الأقبية ونعاس العصافير بين أوراق كتب التاريخ أيام ما كنا نراجع للامتحانات البكالوريا….!
هذه المدينة من بين كل مدن الأرض لم تعرف الوهن .لأنها كلما تحترق تصنع من رمادها باقات ورد تخبئ عطرها للحظة المناسبة حتى عندما يداهمها غرباء السلطة وحفاة الجاه وبياعي كتبهم المهداة إلى مكتبة المحتل ..!
بقت وعلى الدوام كما وصفها لي ذات يوم المرحوم المبدع الشاعر كمال سبتي الذي لم ينصف حتى اللحظة بما يليق به من تجربة وثراء وثقافة وموقف ( مدينة للرخام والسُخام ، وهي وحدها من لا تسير على عكاز عندما يقطع الدهر ساقيها……!)
البقاء أورثها قدرة هائلة لصناعة الغرام وربما هي وحدها من يعرف الطريق إلى النقطة عندما تضيع دموعنا بين القطارات والكراجات ومقاهي الاغتراب.! ولهذا لن اعتقد أن مدينة تصنع المعجزة من جرحها مثل الناصرية التي صنعت مهارة الأنبياء منذ إبراهيم ع وحتى صدى البحة الأسطورية لداخل حسن وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم وجبار ونيسة وانتهاء بكريم العرجاوي..!
وفي العلم أيضا لها مهابة الوجود .وفي الأدب والفقه والسياسة والمجانين لها باع لتكون مدينة تعطي ولا تتمنى أن تأخذ .ومن بين مدن الله قلة من تفعل ذلك..!
هذه المدينة الماهرة حتى في غواية الحس والجسد والرؤية علتها أنها تحتضن خيباتها بصمت العيون وقلما تجاهر في نار البلوى .صمتها يمنها اضطراب في حواسها فلا تناقش في محنتها سوى ظلها .لهذا ما ينتفظ فيها يحتاج إلى مخاض اعسر من صناعة قنبلة ذرية .!
صمتها يتوغل فيها .وصراخها مثل ما كان في بطن حوت يونس صداه للتأريخ فقط ، دائما تسامح ودائما تسلم غوايتها بخجل لمن تحس انه يستحق .وحتى لو خدعت تغمض عينيها وتمشي مع رقاد فطرة قلبها فليس لها سوى أرصفة شارعها الحبوبي لتتسكع فيه ، وتلهي لحظتها مع الصخب وأرائك المقاهي والنقاش الذي لا يفضي إلى نسمة عليلة بل إلى جدول القطع المبرمج والمخصصات الجديدة ومشاريع الكتابة ويافطات أطباء بعضهم لا يرحم حتى علة مدينته فيزيد الكشفية كل يوم ألفا أخرى.!
هي مدينة الرمش الشهي لأحلى البنات .فارقها الميني جوب وجيفارا وصوت بلقيس فالح وسريالية قدوري ويافطة كاظم الحلو الحباب التي كنا نقرا فيها حكمة السذاجة والبراءة ونهار المدينة بحزنه وكده وقواطع جيشه الشعبي وبلاء الحروب التي اعترف إنها أورثتنا بعض قدرة الكتابة لنلبس خوفنا وضعفنا ونحوله إلى قصائدا وقصصا ونكات..!
هذه المدينة التي يعشق فقراءها المرور أمام محلات باتا حفاة وهم يشعرون بسعادة حلم ارتداء واحدا من أحذيتها وتقليد تمشيطة مدير المحل ( عزيز باتا ) واظن انه مسيحي .ظلت وفية لإيقاع الحلم فيها .حلمها الاممي والتوحيدي الذي صنعته رؤية وال عثماني ، فكر ان يبنيها قرب مطارح الغرق ( ابو جداحة ) لكنها تحولت من سور طين وعشرين بيت .إلى واحة من الحضارة الثرية في بدء القرن العشرين شارك فيها المسلم ( سنيا وشيعيا ) واليهودي والمسيحي والشركسي والتركي والفارسي ، لهذا ففي أعراق المدينة يمشي دم ألف أمة .ولن يوحدها فيه سوى نبض القلب وحنانها الأسطوري الممتد من سدة الموحية حتى بستان حاج عبود..!
لها المديح أينما رست بها مراكب الحياة.!
لها عذوبة العود وتباريك صلاة جمعتها .وذكريات شوارعها ( الحبوبي ، التوراة ، عشرين ، اسديناوية ، الزيتون ، النيل ، 19 ، الجمهورية ، الصابئة ، النهر ، المتنزه ) ، نسائم لحدائق الورد الآتية من حديقة غازي وبيوت أثريائها وعلماءها وساستها ( الحاج طالب ، هادي الدهش، غالب سيد فليح ‘ شيخ عباس الناصري ، ناجي حيدر ، بيت كنو وبيت حبش وآل علي التركي وآل جساس ، وبيت مله عمران وسيد محمد الباقري ، وفرهود فجر ، وبيت المؤرخ الفذ شاكر الغرباوي وآل عجام وكاظم عريبي وبيت مله خضر وبيت سيد عبد الله وسيد كريم اليعقوبي العلوجي ومنازل أهلها من صابئة الحلم بيت شاهين وعبد الكريم فرحان ودهلة قمر وبدري قمر ومئات العوائل الكريمة التي أسست في المدينة وعيا للحلم والكلمة التي والى يوم يظل طعهما أصيلا وكريما وعصيا على الطارئين والغرباء.!

 

اترك رد