منبر العراق الحر :…عبدالكريم حنون السعيد…
تحمل قصيدة “الرياء والحكم ومحنة الشعوب” للشاعر طالب الكناني بعدًا رمزيًا واضحًا يتجلى في الصور الشعرية التي يستخدمها الشاعر للتعبير عن مأساة الإنسان والمجتمع. حيث نجد أن الرموز الطبيعية مثل الأغنام والراعي تتكرر في القصيدة ، فالأغنام ترمز إلى الجماهير الخاضعة، والراعي إلى السلطة أو القيادة الغائبة، مما يعكس حالة الفراغ الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع. كما تتجلى هشاشة الفرد أمام الأحداث الكبرى في صورة النخلة التي شقّت عليها قطرة من ماء دجلة، حيث يربط الشاعر الفرد بمصدر الحياة والوطن، ويبرز مدى تأثير المحن على الإنسان البسيط.
كذلك نجد ان القصيدة غنية بـ الدلالة العاطفية؛ إذ تنقل مشاعر الحزن والإحباط بشكل واضح من خلال تكرار التساؤل “يا سائلا عني وعن أوجاعي” واستخدام كلمات مثل “موجع”، “حزن”، “محبط”، ما يعكس مرارة تجربة الإنسان أمام الظلم الاجتماعي والسياسي. هذا الأسلوب يجعل القارئ يشارك الشاعر شعوره بالوحدة والخسارة، ويشعر بعمق المأساة التي يعيشها الفرد والجماعة.
كذلك نجد من ناحية أخرى، ان القصيدة تحمل دلالة أخلاقية واجتماعية؛ فهي تنتقد ازدواجية القيم والرياء السياسي، كما في البيت “إن الخطيئة إن أتت من فاجرٍ ليس الخطيئة إن أتت بقناع”، الذي يسلط الضوء على الفساد والظلم الاجتماعي. كما أن تصوير الأحداث على أنها ناعي للحلم يبرز خيبة الأمل من السلطة ومن مسار الأحداث، ويعكس محنة الشعوب في صراعها مع القيم المزيفة والأنظمة الظالمة.
كما يتجلى في القصيدة أيضا، البعد الفلسفي بوضوح ، حيث تتناول مأساوية الواقع مقابل الحلم. فالتناقض بين الحلم والواقع يظهر في قول الشاعر: “قد كنت أحلم… ولقد حلمت وصار حلمي واقعًا، فإذا بها الأحداث وهي الناعي”، ما يعكس مأساوية الحياة الإنسانية وصعوبة تحقيق العدالة أو الحماية في عالم يسوده الظلم والفوضى. هذا البعد الفلسفي يربط التجربة الشخصية للشاعر بالمصير الجماعي للشعوب.
من الناحية اللغوية والأسلوبية، تستخدم القصيدة أسلوب الأسئلة البلاغية، مثل “يا سائلا عني وعن أوجاعي”، مما يخلق حوارًا داخليًا وتوترًا نفسيًا يعكس الصراع بين الذات والواقع. كما يظهر تنوع الصور بين الطبيعة والإنسان والمجتمع، وهو ما يمنح النص طبقات متعددة من المعنى، ويجعل القارئ يتفاعل مع الجمال والحزن معًا. التكرار لبعض الكلمات الأساسية مثل “حلم” و”خطية” و”يا سائلا” يعزز الإيقاع الشعوري ويقوي من حضور المحنة الفردية والجماعية في النص.
وفي الختام نجد ان جمالية القصيدة تتشكل من تفاعل الحزن الشخصي مع المآسي الجماعية، ومن صراع الإنسان بين الحلم والواقع، حيث تتشابك الصور الطبيعية والاجتماعية لخلق إيقاع مؤلم ومؤثر، يعكس محنة الشعوب وقوة التأمل الإنساني أمام المآسي.
_________________
القصيدة:
الرياء والحكم ومحنة الشعوب
طالب الكناني
يا سائلا عني وعن أوجاعي
قم فاسأل الأغنامَ أين الراعي ؟
قم فاسأل الروضَ الجميلَ حكايةً
عن سر هذا الحُزن في أطباعي
هذي حكايةُ مُوجعٍ من بؤسه
أفنى التصَبُّر و انزوى للقاعِ
يا سائلي ، ماذا لقيتَ بموطني ؟
حتى عدلتَ ، وما أظن تداعي
أنا نخلةٌ شقَّت عليها قطرةٌ
من ماء دجلةَ حيث كان يراعي
أنا وردةٌ بين الحقول ونحلةٌ
طارت فأين حميَّةُ الزراع ؟
قد كنت أحلم باسطاً في جنتي
تلك الذراعَ و هكذا أشياعي
ولقد حَلمتُ و صار حُلمي واقعا
فإذا بها الأحداث و هي الناعي
حزنٌ تفرَّد في اصطحاب مسيرتي
لم أسأل السيّافَ أين ذراعي
إن الخطيئةَ إن أتت من فاجرٍ
ليس الخطيئةُ إن أتت بقناعِ
وإذا بنا نحيا وكلُّ خطيئةٍ
بٱسم الأله ، وهل تظنُّ يراعي ؟
صنعوا الكثير وما رايتُ صناعةً
مثل الذي أملَوا لعقلي الواعي
هم يأسرون من الطفولة حلمها
حتى الظريف، فكيف بالأطماع ؟
إني على ما قلت أبدو محبطا
أذ تختفي عني سماتُ صراعي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر