العاشر من أبريل والمهمة الصعبة… وليد كريم الناصري

منبر العراق الحر :ليلة تسكب بها الدقائق همسا على رؤوس الأميال، وتنطوي الساعات على نفسها وجعا، أفكارا كالأمواج الآتية من قلب الخليج، تؤرق ذاك الجسد المتعب الذي أنهكه المنفى، وكأن للأفكار قلبا يخفق، ووريدا ينبض، تؤلمه ساعات الانتظار، كل شيء كان حذرا ويتحرك بصمت مطبق، حتى أصوات الرياح،كانت خائفة، تنتظر لحظة اللقاء، لحظة عناق الوطن للوطن، بعد عقود من السنين الخوالي، هي ذاتها الليلة الموعودة التي سيدخل بها الحكيم وطنه منتصرا، بعد سنوات الجهاد والنفي، وكأنها تلك الليلة التي أقرت عيون المستضعفين من قريش بدخول النبي عائدا الى مكة.
كان الحكيم على طول الطريق، يعد الدقائق بانفراد ولهفة، الحنين يسري أمامه، والشوق اضني مقلتيه، وكم تمنى أن يختزل المسافات تحت عجلته المتجه نحو العراق، صوت أنفاسه كان قاس على رئتيه، ولطالما يهدأ روعه بأذكار يرفع رأسه بها للسماء، سنوات الجهاد والمنفى أتى ريع حصادها، ولابد للحكيم ، ان يحمل معاوله بسرعة وقوة، لينقذ شعبه من متاهات الفوضى والحرب الطائفية والانفلات، والتي كانت على شفا حفرة من الاندلاع، خصوصا وان العراق أصبح ساحة مفتوحة ومتاحة للجميع، مع وجود شبح الاحتلال الأمريكي المطبق عليه تماما.
بعد ساعات الرحلة القاتلة المثقلة، دخل الحكيم بلده من جهة البصرة، وحانت ساعة اللقاء،التي كان ينتظرها بلهفة، في العاشر من ابريل لعام 2003 ميلادية، كانت الحشود باستقباله على طول الطريق، بوجوه فرحة باكية، فيرونه هو الأمل المنقذ للعراق والضياء الذي يخرجهم من عتمة الفوضى بعد سقوط حكم صدام وجلاوزته، كلمات وهتافات كان من أبرزها ( وينه الحاربك وينه _ صدام النذل وينه) ولطالما أسعده ذلك الهتاف، الذي يعبر عن مدى رحمة الله وعنايته، في إنهاء عهد الظلم والجور.
الحكيم ينتقل من محافظة إلى أخرى من جهة الجنوب، قاصدا النجف الاشرف، حيث مقام أهله وجده وأسلافه، وهو يتطلع المدن والجموع التي تسطف على طول الطريق المؤدي للنجف كان يرى رائحة الفوضى تملأ الأزقة والشوارع،الى جنبها أصوات الفرح والتحرر من الظلم، مباني ومؤسسات تلتهمها النيران، ولكن لطالما التهمت تلك المؤسسات والمباني أرواح وأجساد الناس،حقوق الناس وحياتهم كانت على المحك، انفلات امني يصعب السيطرة عليه، وكأن العراق بين فكين، الفوضى من جهة والاحتلال من جهة اخرى.

ومن هنا تبدأ (المهمة الصعبة‘) والتي لم تكن بتجاوز حدود الغربة والنفي، بقدر تجاوز حدود الفوضى والاضطراب المخيف، الذي قد يجر الشعب إلى اقتتال طائفي، يؤدي بالعراق إلى مذبحة يصعب تداركها والسيطرة عليها، خصوصا وان كل الأدوات كانت حاضرة ومجهزة لما لا يحمد عقباه.
كان السيد الحكيم مدركا وبثقة تامة، بأنه مدخر ومعول عليه من قبل مرجعيات العراق الدينية منها والسياسية، للقيام بتلك المهمة الصعبة، وكان يدرك أيضا، بأن الانتصار وإسقاط الطاغية، ما هو إلا الخطوة الأولى في المعركة، وإن المعركة الحقيقية ستبدأ ببناء الدولة من بين ركام الغياب الحقيقي للقانون والسلطة، وان تلك الليلة هي ليلة تأسيس للدولة لا ليلة عودة من المنفى.
صخب الشوارع الهائجة، بغياب سلطة القانون، والبحث عن لقمة العيش مع إتاحة مباني الدولة أمام عامة الشعب الجائع، الذي لا يعرف مصيره إلى أين، وكيف سيكون، أضف لذلك طلب الثأر بين المتخاصمين بغياب الرادع الحقيقي، والبحث لمعرفة مصير ملايين المغيبين من قبل سطوة النظام البائد، مع الصراع الداخلي على الأسس الطائفية، الذي أنشأه البعثيين وكانو يعولون عليه في أيامهم الأخيرة، هل سيقابله الحكيم بالصمت؟ أم سيتولى المهمة الصعبة.؟ لمعالجة تلك التراكمات الثقيلة، للخروج بالعراق إلى بر الأمان .
حمل الحكيم المهمة على كتفيه، بتأييد مرجعي وشعبي وسياسي مع جميع الفرقاء، دخل النجف الاشرف، وكان مرقد الإمام علي (ع) أول محطة يحط رحاله فيها، بعد ان زار قبر جده في النجف، وأعلن عن إقامته هناك، اتخذ من إقامة صلاة الجمعة في الصحن الحيدري الشريف، منبرا دينيا وسياسيا كخطوة أولى للمهمة، بطرح مشروعه وإيصاله إلى عامة الناس،ومن اهم اسس مشروعه الفتي واولها هو بناء الفرد العراقي، قبل بناء الدولة.
كان بريق عينيه المرقرق بالدموع، وهو يقيم خطبته من منبر الجمعة، يوعد بفجر جديد للعراق، فجرا يجلس فيه الفرقاء على طاولة مستديرة واحدة،لا مكان فيها للتعصب ولا للطائفية ولا للانتقام والتجاذبات السياسية والمجتمعية المهلكة، كان أول خيط ضوء ينسج من شمس العراق لبداية عهدا جديد،حيث نزل الحكيم بين تلك الجموع لا ليحتفل بسقوط الطاغية صدام، بل ليضع الحجر الأساس للدولة المقبلة، فكانت خطاباته أسس ومنهج لكل من أدركها وعرف قيمها.

أّلَنِٱصِےـريّےـ, [29/06/47 01:35 م] أعلن الحكيم خطوته الأولى، بكلمة مفادها(إن المهمة بدأت للتو، فلم نأتي لنسقط صدام ونشيع الفوضى ‘بل أتينا لنسقط دولة الظلم والجور لنبني دولة العدل والرحمة، دولة المؤسسات، دولة الحقوق، دولة المواطن لا دولة الحاكم)
طرح الحكيم مشروعه على أسس منها:-
1- استعادة القانون والنظام بأسرع وقت ممكن مع بيان تفاصيل رسم حكومة جديدة
2- التمسك بالعمل السياسي والتخلي عن السلاح والقوة بين الفرقاء
3- الحفاظ على حقوق وحياة الناس من اي طائفة كانوا وعدم جر الشعب إلى حرب طائفية
4- الحفاظ على الممتلكات العامة لأنها ملك ومصلحة للجميع
5- إدارة المواقف وتنفيذها بسقوف زمنية محددة
6- تثبيت حدود الوحدة الوطنية
7- حفظ حقوق المكونات والقوميات والمذاهب والأديان الأخرى والزام تمثليها بالحكومة المقبلة
8- اللجوء إلى السياسة والسلم في إخراج الاحتلال وتجنيب الشعب ويلات الحرب والدمار
خاض الحكيم خلال تلك الفترة، دورا أساسي في رسم معالم بناء الدولة، وعلى أسس مشاركة القوى الفاعلة سياسيا، ولتقليل مخاطر الانفلات الأمني، وتضيق رقعة الانفلات والفوضى، عمل جاهدا على دعمها بروافد تعزز مكانتها وقوتها ومن أهم تلك الركائز .
1- التخلي عن السلاح، الذي كان بيد قوى المعارضة،والانخراط بالعمل السياسي، كان رسالة واضحة المعالم، الى جميع الساسة والفرقاء، بان الحكيم رجل حرب وجهاد متى ما اقتضت المصلحة، ورجل بناء للدولة متى ما اقتضت المصلحة ايضا، فتغليب المصلحة الوطنية من أهم متبنياته لبناء الدولة.
2- العشائر العراقية الأصيلة، ولا يراد به تغليب العشائر على الدولة، بل لما لها دور مهم في كبح جماح المنفلتين والمتصيدين، فيرى إلزام الناس بالعرف العشائري، بغياب القانون، اقل خطر من عدم الإلزام.
3- إرجاع نصاب الأمور السياسية والمجتمعية إلى مظلة المرجعية العليا في النجف الاشرف، ولا يراد به الزام المذاهب والطوائف وجعل الدولة تحت يد المرجعية العليا، بل هو يرى إصدار الفتوى ا عن المرجعية العليا الصالحة سياق وإلزام يحفظ بها حقوق الناس وممتلكاتهم ومن اي طائفة كانوا، والحد من ظاهرة الفوضى المجتمعية بين عامة الناس من جهة، والمذاهب والمكونات والطوائف من جهة اخرى.
4- التمثيل السياسي كان ايضا من اهم الركائز التي عمل بها السيد الحكيم، وحسب نسب المكونات، مما بعث رسائل اطمئنان الى الفرقاء السياسيين، بان الحكيم له رؤى حقيقة ببناء الدولة، مع الحفاظ على وجودهم سياسيا وحقوقهم مجتمعيا.

واجه بمهمته صعوبات كبيرة وكثيرة جدا، لكنه القيد الذي لا ينكسر، أصبح وجوده وتحركه ومنهجه لا يروق تلك الأنفس الغارقة بالظلم والدم والفوضى، حيث أن الجانب الأمريكي، كان يرى تحركات ومنهج السيد الحكيم،بعيد كل البعد عن تطلعاتهم في العراق، فأصبحو يرونه العقبة التي لا يمكن تجاوزها، وترويضها لصالحهم، آخذو يدعمون الفرقاء على حساب إزاحته عن قلب العملية السياسية، ولكن إصراره وقوته جعل الفرقاء، لم ينجحوا بشيء، حتى جاء أمر تصفيته جسديا وبأسرع وقت ممكن.
لم يمضي وقت طويل ولم تسعفه الأيام لبناء الدولة، وكان مدركا إن طريق البناء ليس معبدا، وان حياته ثمن تلك المهمة، حتى حل اليوم الموعود في الأول من شهر رجب، وبعد إن أتم صلاته وأنهى خطبته، راح ساعيا يخط برجليه نحو الموت الذي اختاره لنفسه،كانت خطواته نذير شؤم سيعم المدينة.
ركنت سيارة ملغمة بأطنان من المواد المتفجرة، قرب سيارته، وكان توقيت الانفجار دقيقا لاغتيال تلك الشخصية العظيمة، وبمجرد إن وصل إلى المكان المحدد، انفجرت تلك العجلة ، فعصفت بمكان الحادث عصفا قويا راح ضحيته عشرات من المصلين، وكان في مقدمتهم الشهيد الحكيم صاحب المهمة الصعبة.
وأخيرا نقول بموت السيد الحكيم ورحيله لم تمت المهمة ولم ترحل، فلقد ترك الحكيم حكيم أخر، حضي بإرث علمي سياسي وديني، يتيح الفرصة له بتحمل تلك المهمة، لخلق عراق جديد حر خال من الفوضى المجتمعية والسياسية، ويصل بالشعب إلى بر الأمان والاستقرار.. والسلام..

اترك رد