منبر العراق الحر :
يمر الشرق الأوسط اليوم بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، في ظل التصعيد الأمريكي والإسرائيلي المتزايد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو تصعيد لا يمكن التعامل معه كحدث عابر أو أزمة محدودة النطاق. فالحرب المحتملة، إن وقعت، لن تقتصر نتائجها على إيران وحدها، بل ستفتح أبواب الفوضى على مصراعيها، وتمتد آثارها لتشمل دول الجوار كافة، وفي مقدمتها العراق، فضلًا عن انعكاساتها العميقة على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
إن أي مواجهة عسكرية واسعة ستؤدي حتمًا إلى اختلال التوازن الإقليمي، وهو ما سيقود إلى سيناريوهات شديدة الخطورة، تبدأ بتهديد طرق إمداد الطاقة العالمية. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه المخاطر، كونه الممر البحري الأهم لنقل النفط والغاز. فأي تعطيل للملاحة فيه، سواء عبر استهداف مباشر أو بفعل التصعيد العسكري، سيؤدي إلى أزمة طاقة عالمية، وارتفاع كبير في أسعار النفط، ما سيضع دول الخليج في قلب الصراع، ويدفع بالاقتصاد العالمي نحو حالة من الاضطراب غير المسبوق.
وفي هذا الإطار، يُعد العراق الخاسر الأكبر اقتصاديًا، إذ يعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط عبر هذا المضيق. إن توقف الصادرات النفطية يعني شللًا ماليًا شاملًا، وعجزًا عن دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية، وهو ما قد يشعل أزمات داخلية خطيرة، تمثل أولى الكوارث التي قد تترتب على اندلاع الحرب.
أما على المستوى الأمني، فإن المخاطر لا تقل خطورة، خصوصًا في ظل الدور الذي قد تلعبه إسرائيل وبعض القوى الإقليمية في إعادة تفعيل التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، مستفيدة من حالة الفوضى والفراغ الأمني في سوريا. فالتطورات الأخيرة هناك، بما في ذلك ضعف السيطرة الحكومية، وهروب آلاف الإرهابيين من السجون، توفر بيئة خصبة لإعادة بناء هذه التنظيمات، التي ما زالت تمتلك خلايا نائمة وشبكات دعم تنتظر لحظة الانقضاض.
وسيكون العراق مرة أخرى الساحة الأكثر هشاشة أمام هذا التهديد، نظرًا لتركيبته الاجتماعية المعقدة، وحداثة خروجه من حرب طاحنة ضد داعش، وما رافقها من دمار واسع ونزوح ومعاناة إنسانية لم تُعالج آثارها بالكامل بعد. فاندلاع مواجهة إقليمية شاملة سيمنح هذه الجماعات فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفها، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف السيطرة الأمنية وغياب التنمية. وفي حال انشغال إيران بالحرب، أو تعرض نظامها إلى إضعاف شديد أو انهيار محتمل، فإن العراق سيجد نفسه شبه وحيد في مواجهة هذه التحديات، وسط دعم دولي محدود. فالدعم المتوقع قد يقتصر على الصين، بدافع حماية مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة، بينما يبقى الدور الروسي غير مضمون في ظل انشغال موسكو بحربها في أوكرانيا والضغوط الغربية المتزايدة عليها. في المقابل، تشير المعطيات إلى احتمال وجود دعم غربي وإسرائيلي، إضافة إلى أطراف إقليمية وعربية، للتنظيمات المسلحة، بما يعيد إلى الأذهان سيناريو ما قبل عام 2014. وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، فإن توقف النفط وتعطّل الموانئ، إلى جانب مواقف إقليمية متفرجة أو سلبية، قد يدفع العراق مجددًا إلى حافة الانهيار. إن تكرار تجربة سقوط المدن بيد داعش، أو ظهور تنظيمات إرهابية جديدة بمسميات مختلفة، سيعيد البلاد إلى دوامة العنف، ولكن هذه المرة بآثار أعمق وأطول أمدًا، وقد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية مباشرة، ليصبح العراق ساحة صراع مفتوحة تتجاوز حدود النزاعات التقليدية.
إن الحرب على إيران، إن وقعت، لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ المنطقة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى إسقاط الأنظمة بالقوة، أو الرهان على الولايات المتحدة بوصفها حليفًا أو منقذًا، تستوجب وقفة تأمل جادة، في ضوء التجارب السابقة التي أثبتت أن السياسات الدولية تُدار وفق منطق المصالح لا المبادئ. يبقى السؤال الأهم: ما هو مصير العراق إذا اندلعت هذه الحرب؟ وهل يحتمل البلد جولة جديدة من الفوضى والدمار؟ إن التفكير بمستقبل العراق والمنطقة يجب أن يكون أولوية قصوى، قبل الانجرار إلى صراعات لا رابح فيها، فثمن الانهيار هذه المرة قد يكون أكبر من قدرة الجميع على تحمله.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر