منبر العراق الحر :
يقولون إن الإلهام ابنُ الليل.
أما أنا، فأعرفه ككائنٍ نهاريّ، يفتح عينيه مع الشمس، ويكتب على جدار الضوء أولى كلماته.
لكنني، بدافع الفضول وربما الشك، قرّرتُ أن أختبر الليل.
أعددتُ الشاي الذي لا أحبّه، ثم القهوة التي أعرف أنها ستؤجل نومي، ثم كوب نعناعٍ مغلي كأنني أستدعي روحًا متمنّعة. جلستُ أمام الحاسوب، أراقب الصفحة البيضاء كمن يراقب بابًا مغلقًا.
فتحتُ فكرةً قديمةً تسكنني منذ سبعة أشهر.
زمنٌ يكفي لولادة حياة، لكنه لم يكفِ لولادة نصّ.
قلت: الليلة ستولدين.
حاولتُ أن أدفعها نحو قصة، ثم نحو قصيدة.
كلما أمسكتُ بها، تسرّبت كالماء.
أدركتُ أن الكتابة كالولادة ليست قرارًا
كانت تتفكّك كلما اقتربتُ منها، كأنني أقبض على ماء.
هو زمنٌ داخليّ، لا يخضع للساعة المعلّقة على الجدار.
الليل لا يصنع المعجزة، كما أن النهار لا يضمنها.
نحن فقط نتهيّأ… وننتظر.
وقفتُ عند النافذة.
اقترب الفجر، فضّيًا ومحايدًا، لا ينحاز لفشلي ولا يسخر منه.
مروحة السقف تدور، والزمن يدور معها، وأنا ثابتة في مكاني، كأن الحركة وحدها لا تكفي كي يحدث شيء.
سألتُ نفسي:
أأصعد إلى السطح؟
أم أرقص مع مطرٍ لا يهطل في الصيف؟
ثم ابتسمتُ: حتى الرقص يحتاج شريكًا، وأنا أحاور غيابًا.
عند الثامنة وعشر دقائق صباحًا، أغلقتُ الحاسوب.
لا قصة اكتملت، ولا قصيدة ولدت.
وقبل أن أتمدد على فراشي، لاحظتُ سطرًا وحيدًا ظلّ في أعلى الصفحة، لم أمسحه:
“أتعجّب ممّن يقول إن الإلهام لا يأتي إلا في الليل.”
توقّفتُ لحظة، كأنني أدركتُ شيئًا واحدًا:
الإلهام لم يخنّي…
أنا فقط حاولتُ أن أستقبله في غير ساعته.
…………………………………..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر