منبر العراق الحر :
ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد تصعيد دوري في صراع مزمن. ثمة انتقال نوعي من إدارة احتلال إلى تثبيت سيادة، ومن مناورة سياسية إلى هندسة جغرافيا جديدة. الضم، حتى لو جاء متدرجاً وبلا إعلان احتفالي صريح، هو في جوهره إعادة تعريف للحدود من طرف واحد، وإعادة ترتيب للواقع السياسي في المنطقة على قاعدة القوة لا القانون.
لسنوات طويلة، بقيت العملية السياسية، رغم هشاشتها، تؤدي وظيفة واحدة: إبقاء الاحتمالات مفتوحة. اليوم، هذا الهامش يضيق إلى حد الاختناق. التوسع الاستيطاني، تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية، تحويل المدن إلى جزر أمنية منفصلة، كلها مؤشرات على مسار يريد حسم مسألة الأرض قبل أي تسوية.
الضرر المباشر يصيب الفلسطينيين بلا شك. لكن القراءة الاستراتيجية الأوسع تكشف أن الارتدادات لن تقف عند حدود الضفة. في الإقليم، هناك دولة ستتأثر بصورة بنيوية: الأردن.
الأردن ليس لاعباً هامشياً في هذه المعادلة. موقعه الجغرافي، امتداده السكاني، وتركيبته الديموغرافية، كلها تجعله في قلب أي تحوّل جذري غرب النهر. الدولة الأردنية، ذات الموارد المحدودة والبيئة الاقتصادية الضاغطة، تستند إلى توازنات دقيقة تشكلت عبر عقود، في ظل واقع إقليمي مضطرب.
أي تغيير دراماتيكي في الضفة — سواء عبر ضم واسع، أو تفكيك تدريجي لمقومات الحياة السياسية والاقتصادية، أو انفجار أمني شامل — سيضع ضغطاً مباشراً على الأردن. التاريخ القريب يوضح أن حين تضيق الأرض بالفلسطيني، فإن الشرق يبقى المنفذ الأكثر واقعية. هذه ليست فرضية نظرية، بل حقيقة كرستها التجربة منذ 1948.
الخطر هنا لا يتمثل فقط في احتمال نزوح بشري، بل في إعادة فتح ملف “الوطن البديل”، وهو الملف الذي تعتبره الدولة الأردنية مساساً مباشراً بوجودها السياسي. الضم، في أحد أبعاده العميقة، يدفع نحو إعادة تعريف الصراع باعتباره صراع سكان لا صراع أرض، وهو تحول إن حدث سيغيّر معادلات المنطقة بأكملها.
ديموغرافياً، أي موجة انتقال واسعة ستؤثر في التوازن الداخلي الأردني. اقتصادياً، ستضاعف الضغط على بنية تحتية تعاني أصلاً من أعباء ثقيلة. سياسياً، ستُطرح أسئلة حول الهوية والتمثيل والحدود لا ترغب عمّان في إعادة فتحها.
من زاوية استراتيجية باردة، يمكن القول إن الضم الإسرائيلي لا يهدد فكرة الدولة الفلسطينية فحسب، بل يضع الأردن أمام اختبار طويل الأمد: كيف يحافظ على استقراره في بيئة تتغير خرائطها من حوله؟
إسرائيل، في اندفاعتها الحالية، تراهن على أن البيئة الدولية لن تتجاوز بيانات التنديد، وأن المنطقة غارقة في أولويات أخرى. لكن حسابات القوة الآنية لا تلغي حسابات الجغرافيا. الأردن هو الامتداد الشرقي الطبيعي للضفة، وأي اختلال عميق هناك سيجد طريقه إليه.
المشهد، إذاً، ليس ثنائياً بين إسرائيل والفلسطينيين فقط. إنه مشهد إقليمي معقّد، يتداخل فيه الأمن بالديموغرافيا، والسيادة بالهوية، والقرار التكتيكي بالنتيجة الاستراتيجية.
الضم الإسرائيلي، إن استمر في مساره الحالي، لن يكون مجرد تعديل على خريطة، بل خطوة تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط. وفي قلب هذه التوازنات يقف الأردن، ليس بوصفه متفرجاً، بل كدولة قد تجد نفسها تدفع جزءاً كبيراً من ثمن قرار لم تتخذه.
هكذا تتحول مسألة تبدو في ظاهرها فلسطينية ـ إسرائيلية إلى اختبار بقاء لدولة أخرى. وفي السياسة، كما في الجغرافيا، القرارات التي تُتخذ على ضفة، كثيراً ما تعيد تعريف مصير الضفة الأخرى.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر