*قراءة في حوار المالكي مع فرانس برس* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
لقاء السيد نوري المالكي مع فرانس برس يمكن قراءته كبيان سياسي متكامل، يسعى من خلاله إلى إعادة تقديم نفسه كـ”رجل دولة” لا “زعيم مرحلة صدامية”. كما يمكن القول إن الخطاب لم يكن مجرّد تصريحات إعلامية عابرة، بل محاولة واعية لإعادة تعريف موقعه السياسي، وإعادة رسم صورة الدولة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، وفي سياق داخلي مأزوم تتنازع فيه الدولة واللا- دولة. كما أن التصريحات الواردة فيه أقرب إلى وثيقة سياسية مختصرة منها إلى مقابلة صحفية تقليدية. فالكلام لم يُصَغ بلغة الانفعال أو الدفاع، بل جاء محمّلاً برسائل مدروسة تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة وتعقيداتها.
*أولاً: إعادة تثبيت الذات السياسية*
إصرار المالكي على عدم الانسحاب من الترشح لرئاسة الوزراء لا يمكن فصله عن رغبته في تثبيت حضوره كلاعب مركزي لا يمكن تجاوزه. فهو يدرك أن مجرد طرح الانسحاب يُفسَّر كضعف أو رضوخ لضغوط داخلية أو خارجية، لذلك جاء الموقف حاسماً ليؤكد أن معادلة السلطة لا تزال تمر عبره أو على الأقل لا يمكن أن تتجاهله.
*ثانياً: فصل الشخص عن الدولة*
تأكيده أن الرسائل الأمريكية تخص الدولة العراقية ولا تخص المالكي يحمل دلالتين: الأولى- رسالة للخارج مفادها أنه ليس زعيماً فردياً يتلقى التعليمات، بل جزء من منظومة دولة. والثانية – هي رسالة للداخل تهدف إلى نفي تهمة “الشخصنة” في العلاقة مع واشنطن، وإظهار نفسه كحامٍ للمؤسسات لا كوسيط.
هذا الفصل المقصود بين المالكي والدولة هو محاولة لإعادة ترميم صورة السيادة التي تضررت بفعل سنوات من الاتهامات المتبادلة حول التبعية والتدخل الخارجي.
*ثالثاً: الدولة والسلاح*
التركيز المكثف على حصر السلاح بيد الدولة، واشتراط المشاركة في الحكومة بترك السلاح، يعكس إدراكاً عميقاً لجوهر الأزمة العراقية، ازدواجية القرار الأمني. لكن هذا الخطاب، وإن بدا صارماً، يبقى محكوماً بحدود التوازنات الواقعية؛ فهو لا يذهب إلى القطيعة مع الفصائل، بل يفتح لها “مخرجاً سياسياً” عبر التحول إلى العمل المدني، ما يعني أن الهدف ليس الإقصاء بل الاحتواء المنظَّم.
*رابعاً: الرسالة إلى واشنطن… تطمين دون خضوع*
حديثه عن أن القوات الأمريكية خرجت “بهدوء وسياقات محترمة”، وأن العلاقة مع الولايات المتحدة “ضرورية لنهوض العراق”، يحمل نبرة تطمين واضحة، لكنه في الوقت نفسه يقترن برفض صريح لأي تدخل في السيادة أو إدارة العراق من الخارج. هنا يحاول المالكي السير على حبل مشدود: لا عداء مباشر مع واشنطن، ولا قبول بدور الوصي.
*خامساً: إيران خيار جغرافي وليس أيديولوجي*
موقفه من إيران جاء بلغة المصالح لا الشعارات. فالحديث عن 1300 كم حدود مشتركة هو تذكير بأن العلاقة ليست خياراً أيديولوجياً بل ضرورة جغرافية – اقتصادية – أمنية. في المقابل، شدد على مبدأ عدم السماح لأي دولة، بما فيها إيران، بالتدخل في السيادة العراقية، في محاولة لتفكيك صورة “الارتهان” التي تُلصق به.
*سادساً: حماية البيت الشيعي لا كسره*
وصف الإطار بأنه مؤسسة مهمة للحالة الوطنية يكشف خوفاً ضمنياً من تفككه. المالكي هنا يتحدث بلسان الحريص على وحدة البيت السياسي الشيعي، لأن أي تصدع فيه يعني انتقال الصراع من ساحة الخصوم إلى الداخل، وهو ما قد يضعف الجميع.
*سابعاً: الحكومة المدنية وإعادة تعريف السلطة*
التشديد على أن الحكومة المقبلة “مدنية وليست عسكرية” ليس توصيفاً تقنياً بقدر ما هو رد سياسي على المخاوف الإقليمية والدولية من عسكرة الدولة أو هيمنة الفصائل. المالكي يحاول تقديم نفسه كضامن لتحويل فائض القوة إلى إطار مؤسسي، لا كراعٍ لاستمراره خارج الدولة.
*ثامناً: الاقتصاد كملف نجاة*
إقراره بصعوبة الوضع الاقتصادي والحاجة إلى حلول جذرية ونهضة اقتصادية، يكشف إدراكه أن الشرعية المقبلة لن تكون أمنية ولا أيديولوجية، بل خدمية – اقتصادية. هذا انتقال واضح من خطاب الدولة القوية إلى خطاب الدولة القادرة على الإعمار.
ما نود قوله في هذه القراءة، إن حوار المالكي مع فرانس برس لا يمكن اختزاله في عناوين إخبارية. إنه محاولة لإعادة تقديم رؤية سياسية ترى في الدولة العراقية مشروعاً قابلاً للحياة، شرط إعادة الاعتبار للمؤسسة، وضبط السلاح، وإدارة العلاقات الخارجية بمنطق المصالح، وربط الشرعية السياسية بالقدرة على تحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي. إنها قراءة لدولة تريد أن تبقى لاعباً، لا ساحة، في منطقة لا ترحم الضعفاء ولا تعترف بالمترددين.

اترك رد