الجوع والحرب … بقلم مهند سري

منبر العراق الحر :

ليست الحروب، في ظاهرها، سوى صراع على حدود أو عقائد أو ايدولوجيات توسعية. غير أن ما يتخفّى تحت الشعارات غالباً هو السؤال البدائي: من يملك الخبز؟ فـ”لقمة العيش”، ليست مجرد حاجة بيولوجية، بل هي عصب البقاء الاجتماعي، وحين يختل توزيعها، يتحوّل الجوع من حالة فردية إلى توتر تاريخي.

يمكن القول إن الإنسان يدخل السياسة من باب الضرورة، قبل أن يدخلها من باب الفضيلة.

الدولة نفسها نشأت – في أحد وجوهها – لتنظيم الندرة وضبط التنافس على الموارد، لكن حين تعجز عن تحقيق حدّ أدنى من العدالة، تصبح الحرب امتداداً اقتصادياً بوسائل عسكرية.

هنا يتبدل معنى السيادة: من حماية المجال العام إلى حماية الامتيازات الخاصة.

في الرؤية المادية التاريخية عند كارل ماركس، لا تفهم الحروب الكبرى بوصفها انفجاراً أخلاقياً، بل كنتيجة لبنية اقتصادية تنتج صراعاً على وسائل الإنتاج والأسواق والمواد الأولية.

فالطبقات المهيمنة – بحسب تحليله- لا تخوض الصراع دفاعاً عن المجد، بل عن شروط تراكم رأس المال. الاستعمار، التوسع الإمبريالي، وحتى كثير من النزاعات الإقليمية، ليست سوى لحظات في سعي محموم لتأمين المواد الخام، وفتح أسواق جديدة، وضمان تدفق الأرباح.

الاقتصاد، في هذا المنظور، ليس خلفية للحرب، بل هو محركها الخفي.

غير أن اختزال كل الحروب في الخبز وحده يضيف بعداً آخر: الإنسان لا يقاتل من أجل البقاء فقط، بل من أجل المعنى أيضاً.

الهوية، الكرامة، الذاكرة الجماعية- كلها قد تشعل نزاعاً حتى في غياب مجاعة، لكن حتى هذه القيم الرمزية تتغذى غالباً على اختلال مادي سابق، فالإحساس بالمهانة أو التهميش ينمو في تربة الفقر والحرمان.

إذن، لقمة العيش ليست السبب الوحيد للحروب، لكنها الشرارة الأكثر دواماً.

حين يختزل الاقتصاد إلى احتكار، ويتحول العمل إلى اغتراب، ويفصل الإنتاج عن العدالة، يصبح السلام هدنة مؤقتة في معركة توزيع الثروة.

السلام الحقيقي لا يصنع بالمواثيق وحدها، بل ببنية اقتصادية تعترف بأن الخبز حقّ لا امتياز، نعم، ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، لكن اياك ان تقلها لجائع. وعندئذ فقط، قد تتراجع الحرب من قدر تاريخي إلى خطأ سياسي يمكن تجنّبه.

 

عرض

اترك رد