منبر العراق الحر :
السؤال الذي يشغل بعض الأوساط السياسية والإعلامية مفاده، لماذا تكتفي الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، ببيانات الإدانة والاستنكار، من دون أن تبادر إلى ردّ عسكري مباشر على الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة؟
يُطرح هذا السؤال على الرغم من حقيقة أن عدداً من هذه الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، يمتلك قدرات عسكرية متقدمة، ولا سيما في مجال القوة الجوية وأنظمة الدفاع الحديثة. كما أن دولاً خليجية أخرى، مثل قطر والإمارات، شهدت برامج تحديث واسعة لقواتها المسلحة منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وتعمّقت هذه البرامج بصورة أكبر بعد احتلال العراق عام 2003 وما أعقبه من تحولات استراتيجية في بنية الأمن الإقليمي.
وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران أو حلفاؤها باتجاه دول عربية يفوق ما وُجِّه نحو إسرائيل في الأسبوع الأول، ومع ذلك لم تُسجل ردود عسكرية مباشرة من تلك الدول، كما أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضد إيران.
يمكن تفسير هذا الموقف من خلال جملة من الحسابات الاستراتيجية التي تحكم سياسات دول الخليج العربية، بوصفها المنطقة الأهم عالمياً في إنتاج وتصدير الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، ويمكن تلخيص هذه الحسابات في مبدئين رئيسين:
أولاً: البعد السياسي والرمزي للصراع، إن أي رد عسكري مباشر من دول الخليج قد يُفسَّر إقليمياً ودولياً بوصفه انخراطاً عملياً في الحرب إلى جانب إسرائيل ضد دولة إقليمية مسلمة مجاورة، وهذا ما تحرص دول الخليج على تجنبه، خصوصاً أنها أعلنت منذ اللحظة الأولى إدانتها للهجمات العسكرية الإسرائيلية ورفضها لتوسيع دائرة الصراع.
ثانياً: احتواء الحرب ومنع اتساعها، وهنا تدرك دول الخليج أن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وإطالة أمدها، وهو ما سيترتب عليه خسائر اقتصادية واستراتيجية كبيرة، نظراً إلى ما تمتلكه هذه الدول من بنى تحتية حديثة ومشاريع تنموية عملاقة، كما أن استهداف قطاع الطاقة في الخليج سيؤدي إلى اضطراب كبير في الاقتصاد العالمي، وهو ما قد يحقق أحد الأهداف الاستراتيجية لإيران المتمثل في الضغط على الولايات المتحدة والقوى الكبرى عبر ضرب عصب الطاقة العالمي.
من هنا يمكن فهم رصانة الموقف السياسي الخليجي الذي يوازن بين إدانة الهجمات ورفض الانجرار إلى الحرب، فهذه الدول تفضّل التركيز على تحصين أمنها الداخلي، وتعزيز قدراتها الدفاعية، والعمل دبلوماسياً على منع توسع الصراع، بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها أعلى بكثير من مكاسبها المحتملة.
وبهذا المعنى، فإن امتناع دول الخليج عن الرد العسكري لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعبر عن حسابات استراتيجية حذرة تهدف إلى تجنب الانزلاق في حرب قد تكون خاسرة للجميع، ولا تحقق لها مكاسب سياسية أو أمنية واضحة، بخلاف ما قد يخدم أهداف أطراف أخرى في الصراع.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر