منبر العراق الحر :
الخوف من المستقبل يشبه ظلاً يمشي أمام الإنسان؛ كلما ركض للحاق بالنور ازداد امتدادًا. والمفارقة أن هذا الظل لا يملك وجودًا حقيقيًا إلا في خيالنا، فنحن نخاف من أشياء لم تولد بعد، وربما لن تولد أبداً.
قال أحد الفلاسفة الرومان:
إن الإنسان يتألم في خياله أكثر مما يتألم في الواقع.
فالعقل عندما ينشغل بالمستقبل يتحول إلى صانع للسيناريوهات المظلمة، كأنه يكتب قصصًا عن خسائر ومصائب لم تحدث بعد. وهنا يبدأ القلب بدفع ثمن شيء لم يقع. لكن الحقيقة العميقة هي أن الحياة لا تُعاش في المستقبل، بل في هذه اللحظة الصغيرة التي نسمّيها “الآن”. المستقبل فكرة، أما الحاضر فهو الوجود نفسه. ولذلك ذكر نفسك بأن الإنسان لا يخسر حياته دفعة واحدة، بل يخسر لحظته الحاضرة عندما يسمح للقلق أن يسرقها .
الخائف من المستقبل يشبه مسافرًا يحمل على ظهره حقائب لم يفتحها بعد، وربما لن يحتاجها أبداً. وكلما زاد ثِقَلَها أصبح الطريق أكثر تعبًا. الحكمة ليست في معرفة ما سيحدث، بل في امتلاك الشجاعة للعيش مهما حدث. ومن أجمل ما يمكن أن تتعلمه أن المستقبل ليس مكانًا نعيش فيه، بل احتمال لم يأتِ بعد. وأن القلق لا يغيّر الغد، لكنه يفسد اليوم. وما هو مقدّر سيأتي، وما ليس لك لن تصل إليه ولو ركضت خلفه العمر كله. والإنسان السعيد ليس من يضمن مستقبله، بل من يتصالح مع جهله به. لأنه يفهم أن الحياة مثل البحر:
لا يمكنك التحكم في الأمواج، لكن يمكنك أن تتعلم كيف تسبح.
لذلك إن أردت أن تعيش بسلام، فاجعل مستقبلك في يد الله، واجعل قلبك في الحاضر. ازرع اليوم ما تستطيع، وابتسم لما لديك الآن، لكن اعمل إعدادًا مسبقًا وخطط للقادم الأجمل، قَيّم مسيرتك وصحّح أخطاءك كل حين، ودع الغد يأتي بطريقته الخاصة وستكون بخير.
فربما أعظم سر للسعادة هو هذا:
أن تعيش يومك كأنه الحياة كلها، وليس مجرد طريق نحو مستقبل لم يولد بعد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر