منبر العراق الحر :
لم يكن مضيق هرمز يوما مجرد ممر مائي تتقاطع فيه ناقلات النفط وتتشابك فيه مصالح الأمم؛ بل كان دوما ورقةَ ضغط إيرانية محتجزة في الأدراج، تسحب في لحظات الأزمات.
غير أن ما يجري اليوم يتجاوز حسابات الورقة والضغط، إذ يكشف مدير المعهد الجيوسياسي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا نوفل ضو، في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، أن المشهد برمته يعاد تشكيله على قاعدة استراتيجية أعمق وأبعد مدى مما يبدو على السطح، وأن طهران وقعت في فخ نصبته لغيرها.
الضربة في خدمة الاستراتيجية
يرى ضو أن جوهر المشهد لا يكمن في تفاصيل العمليات العسكرية بقدر ما يتمحور حول الهدف السياسي الذي تخدمه هذه العمليات. فالضربات، وفق تحليله، ليست معزولة عن سياق استراتيجي يقوده دونالد ترامب، يهدف إلى تثبيت دور الولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي، عبر فرض نظام إقليمي جديد يعاد تشكيله على المستويات كافة.
وفي هذا الإطار، يبرز مضيق هرمز كعنصر محوري في هذه الاستراتيجية؛ إذ يعتبر ضو أن مسألة فتح المضيق في هذه المرحلة تعبر عن إعادة تنظيم اقتصادي، أو “الشرق الاقتصادي” لهذه الضربة، بما يضمن عدم بقائه تحت السيطرة أو التأثير الإيراني.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط انقلبت على طهران
يقدم ضو قراءة معاكسة للسردية التي ترى في إغلاق مضيق هرمز ورقة قوة إيرانية، معتبرا أن طهران سعت عبر هذه الخطوة إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية للضغط على واشنطن. غير أن التطورات الأخيرة، بحسب تحليله، أظهرت أن هذه الورقة ارتدت على إيران نفسها.
ففي مقابل هذا التصعيد، عمل ترامب – وفق ضو – على توظيف التهديد ذاته لدفع الدول الأخرى إلى الضغط على إيران لفتح المضيق، ما أفضى إلى تشكل تحالف من 22 دولة، بينها دول مجموعة السبع، باتت مستعدة لتأمين سلامة الملاحة في المضيق. وبهذا، تحوّل الإيرانيون من موقع محاصِر للتجارة الدولية إلى موقع المحاصَرين.
الردع المتبادل.. تصعيد يقترب من الخطوط الحمراء
في سياق التهديدات المتبادلة، يشير ضو إلى أن تهديدات الحرس الثوري الإيراني باستهداف منشآت الطاقة وتحلية المياه دفعت ترامب إلى رفع سقف الرد، معتبراً أن تنفيذ هذه التهديدات سيصنف كاستخدام لأسلحة دمار شامل، ما يمنحه – وفق تصريحه – حق الرد بالمثل.
ويرى ضو أن هذا التطور ينطوي على خطورة بالغة، إذ يفتح الباب أمام رد “كاسر للتوازن” يتجاوز المعادلات الحالية، وإن كان يستبعد الوصول إلى استخدام السلاح النووي. لكنه في المقابل يلفت إلى غموض طبيعة الأسلحة أو التكتيكات غير المستخدمة حتى الآن.
الحرس الثوري.. من ذراع دولة إلى تنظيم عابر للحدود
في توصيفه لطبيعة النظام الإيراني، يذهب ضو إلى أن إيران تحولت عمليا من دولة تعمل تحت مظلة الحرس الثوري إلى كيان تهيمن عليه بنية تنظيمية أقرب إلى التنظيمات الإرهابية. ويقارن الحرس الثوري بتنظيمات مثل القاعدة وداعش، لجهة تعدد الأذرع والانتشار العابر للحدود.
ويؤكد أن هذه البنية تمارس ما وصفه بـ”البلطجة” على مستوى الممرات البحرية، معتبرا أن ما يجري يتجاوز الإرهاب الدولي التقليدي ليصل إلى نمط من السلوك المرتبط بالتنظيمات الإرهابية العالمية.
رهانات طهران
يعتبر ضو أن الرهان الإيراني يقوم على الضغط على المجتمعين العربي والدولي لدفعهما إلى الضغط على الولايات المتحدة. إلا أنه يرى أن هذا الرهان لم يأخذ في الاعتبار تداعيات استهداف الدول العربية، التي كانت تشكل – وفق تعبيره – المتنفس الذي يمكن لإيران الاعتماد عليه بعد انتهاء الحرب.
وبحسب تحليله، فإن هذه السياسات أدت إلى عزل إيران بشكل متزايد، بل ودفعتها نحو ما وصفه بمسار انتحاري، في ظل اتساع دائرة الخصومات، حتى مع أطراف كان يفترض أن تكون أقرب إلى موقع الحياد أو الدعم.
تعدد الجبهات: أذرع إيرانية دون تغيير المسار
يشير ضو إلى أن إيران لجأت إلى استخدام أدواتها الإقليمية، من بينها حزب الله والتنظيمات العراقية، مع إبقاء الحوثيين في موقع الاحتياط، مرجحا إمكانية تدخلهم.
لكنه يؤكد أن هذا التوسع في الجبهات لن يغير مسار المعركة، بل قد يطيل أمدها أو يوسع نطاق الاستهدافات دون تعديل النتيجة النهائية التي يصفها بأنها “محكومة بنهاية انتحارية”.
الزمن العسكري.. ذروة التصعيد ثم الانحسار
على مستوى الإطار الزمني، يرجح ضو أن تستمر المواجهة لأسابيع إضافية، قد تتجاوز المهلة التي حددها ترامب سابقا، لكنه يرى أن التصعيد الحالي يقترب من ذروته، متوقعا أن تشهد المرحلة اللاحقة تراجعا تدريجيا في حدته.
تغيير النظام.. منطق الاستسلام لا الانقلاب
يفصل ضو بين مفهوم تغيير النظام عبر الانقلاب وبين تغييره عبر الاستسلام، معتبرا أن ما يجري هو حرب تهدف إلى فرض استسلام، وليس عملية انقلاب داخلي. ويستند في ذلك إلى تصريحات ترامب التي أشار فيها إلى الحاجة إلى طرف يمكن التفاوض معه وتوقيع اتفاق.
ويحذر من أن استمرار الحرس الثوري في التصعيد سيؤدي إلى رفع كلفة الحرب على الشعب الإيراني، خصوصا في حال انتقال العمليات العسكرية من استهداف البنى العسكرية إلى البنى التحتية، وهو ما ألمح إليه ترامب حين تحدث عن إمكانية تدمير إيران تلقائيا.
ويختتم ضو تحليله بالتأكيد أن جوهر الصراع يتجاوز الثنائية الأميركية الإيرانية، ليطال بنية النظام العالمي نفسه. فإيران – وفق توصيفه – تحاول تقويض هذا النظام بمختلف أبعاده، ما يدفع باتجاه إعادة تشكيل نظام إقليمي جديد تحت سقف النظام العالمي.
وفي هذا السياق، يبرز دور الدول العربية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي بالتعاون مع مصر والأردن، كنواة لهذا النظام الجديد.
ويصف ضو هذا التشكّل بـ6″ + 2″، بأنه يمثل للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية موقعا متقدما للعرب في صياغة التوازنات الإقليمية، استنادا إلى السياسات التي تنتهجها هذه الدول في المرحلة الراهنة.
سكاي نيوز عربية
منبر العراق الحر منبر العراق الحر