منبر العراق الحر :
لم يكن عملي مع الأفراد ضمن طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية مساراً مهنياً بالمعنى التقليدي، بل تجربة معرفية ووجودية أعادت صياغة فهمي للإنسان، وحدود اللغة، ومعنى القدرة، وطبيعة الاختلاف ذاته. على امتداد هذه السنوات، لم أتعلم كيف أقدّم دعماً فحسب، بل كيف أتخلّى عن يقيناتي المسبقة، وكيف أرى العالم من خارج المركز الذي اعتدت الوقوف فيه.
بدأت الرحلة من افتراض يبدو بديهياً: أن التواصل يُبنى على الكلام، وأن الفهم يمرّ عبر اللغة. غير أن الممارسة اليومية سرعان ما كشفت هشاشة هذا الافتراض. في هذا العالم، لا تكون الكلمات دائماً جسراً، بل قد تصبح عائقاً. هنا، يتخذ الصمت شكلاً دلالياً مكتمل البنية، وتتحول النظرة، والإيماءة، والإيقاع السلوكي، إلى لغات قائمة بذاتها. تعلّمت أن الإصغاء ليس وظيفة سمعية، بل فعل انتباه عميق يلتقط ما يُقال دون أن يُنطق، وما يُعبَّر عنه دون أن يُصاغ.
في إحدى الجلسات، ظلّ طفل يكرّر حركة واحدة لدقائق طويلة. لم تكن عشوائية كما بدت في البداية، بل كانت لغته الوحيدة ليقول: “أنا مُرهق”. عندها فقط أدركت أن ما نراه سلوكاً، قد يكون في حقيقته نداءً.
من هنا، تبدّل فهمي للسلوك جذرياً. لم يعد السلوك “غير الملائم” مشكلة تستدعي الضبط، بل رسالة معقّدة تبحث عمّن يقرأها. كل اندفاع، كل انسحاب، كل تكرار، هو محاولة لقول ما يتعذّر قوله. وحين نعجز عن قراءة هذه الرسائل، لا يكون الخلل في الفرد، بل في أدواتنا التأويلية. وهنا يتبدّى البعد الأخلاقي للممارسة: أن ننتقل من موقع السيطرة إلى موقع الفهم، ومن ردّ الفعل إلى الإصغاء.
أحد أكثر الدروس عمقاً تمثّل في انهيار فكرة “النموذج الواحد”. لا يوجد مسار نمطي للتطور، ولا استجابة متوقعة يمكن تعميمها. كل فرد هو بنية فريدة، لها زمنها الخاص، وإيقاعها المختلف، ومنطقها الداخلي الذي لا يُختزل في مقاييس جاهزة. هذا الإدراك لا يفرض مرونة في الأدوات فحسب، بل يستدعي تواضعاً معرفياً حقيقياً؛ إذ لا يعود الأخصائي حاملاً للإجابات بقدر ما يصبح شريكاً في الاكتشاف.
ومع هذا التحول، تغيّرت أيضاً معايير التقدّم. لم يعد الإنجاز حدثاً لافتاً، بل عملية دقيقة قد تمرّ دون أن تُلاحظها عين غير مدرّبة. قد يكون التقدّم في نظرة أطول، أو في تقبّل تغيير طفيف، أو في انخفاض حدّة توتر كان يملأ الجسد. هنا، تتعلّم العين أن ترى ما لا يُرى، وأن تُنصت إلى التحوّلات الصامتة التي تشكّل، في جوهرها، تحسّناً حقيقياً في جودة الحياة.
غير أن أي تدخل مهني، مهما بلغ من دقة، يظل ناقصاً إن لم يُبنَ على شراكة أصيلة مع الأسرة. لقد أدركت أن العائلة ليست سياقاً موازياً، بل هي الامتداد الحيوي لكل جهد يُبذل. الأهل لا يحتاجون إلى إرشاد تقني فقط، بل إلى اعتراف بثقل التجربة التي يعيشونها يومياً. إن العمل معهم ليس خياراً مهنياً، بل ضرورة أخلاقية، لأن دعم الفرد يبدأ من دعم محيطه.
أما الصبر، الذي يُستدعى كثيراً في هذا السياق، فقد تعلّمت أنه ليس سمة فطرية، بل مهارة تُبنى عبر التجربة، وتُختبر عبر التكرار، وتُصقل عبر الإحباطات الصغيرة المتراكمة. هو صبر يتجاوز الانتظار، ليصبح شكلاً من أشكال الإيمان الهادئ بأن لكل جهد أثراً، حتى وإن تأخر ظهوره.
وفي مستوى أعمق، وجدت نفسي أعيد تعريف مفاهيم بدت لي يوماً ثابتة، مثل “القدرة” و”الاستقلالية”. لم تعد الاستقلالية تعني الاكتفاء الكامل، بل الوصول إلى أفضل مستوى ممكن من التكيّف والكرامة ضمن حدود الفرد الخاصة. ولم تعد القدرة تُقاس بما ينقص، بل بما يمكن بناؤه وتعزيزه. هذا التحول لم يبقَ نظرياً، بل انعكس على طريقة العمل، وعلى طبيعة الأهداف، وعلى الكيفية التي يُقاس بها الأثر.
لكن الدرس الأعمق، والأكثر رسوخاً، هو أن هذا العمل ليس اتجاهاً واحداً من العطاء. نحن لا نُغيّر الآخرين فقط؛ نحن نتغيّر بهم. هؤلاء الأفراد، بحضورهم الصادق وغير المشروط، يعلّموننا ما لا تُدرّسه النظريات: التواضع أمام تعقيد الإنسان، والصدق في التعامل مع الهشاشة، والانتباه لقيمة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق.
إن العمل مع طيف التوحد والإعاقات النفسية والذهنية والتطورية ليس مهنة تُمارس بقدر ما هو رؤية تُكتسب. رؤية تعيد ترتيب علاقتنا بالاختلاف، وتدعونا إلى الانتقال من منطق التصنيف إلى منطق الفهم، ومن نزعة التصحيح إلى فعل الاحتواء.
في ختام هذه الرحلة المفتوحة، لا أدّعي امتلاك إجابات نهائية. ما أملكه هو حساسية أعلى، وأسئلة أكثر دقة، وقدرة أعمق على التريّث قبل الحكم… وربما هذا، في جوهره
هو ما يعنيه أن نتعلّم: أن نصبح أقل يقيناً، وأكثر إنصاتاً، وأكثر قدرة على أن نكون إنسانيين، بحق
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر