القيمة البلاغية في قصيدة «سنواتُ السنابلِ الفارغةِ والبقراتِ العجاف» للشاعر خالد صبر سالم

منبر العراق الحر:…عبدالكريم حنون السعيد….

تقوم القيمة البلاغية في قصيدة خالد صبر سالم «سنواتُ السنابلِ الفارغةِ والبقراتِ العجاف» على إعادة تشكيل العلاقة بين اللغة والمعنى، بحيث لا تُستثمر البلاغة بوصفها زخرفًا تعبيريًا أو تحسينًا أسلوبيًا، بل بوصفها آلية لإنتاج التوتر داخل الدلالة نفسها. فالنص لا يشتغل على البلاغة باعتبارها وسيلة لتوضيح المعنى، بل باعتبارها قوة تعمل على زعزعته، وإبقائه في حالة من التكوّن غير المكتمل.
تتجلى القيمة البلاغية الأولى في الانزياح الدلالي المركّب، حيث تنتقل المفردات من حقولها المعجمية المستقرة إلى فضاءات رمزية متوترة. فعبارة “السنابل الفارغة” تمثل انزياحًا مزدوجًا، إذ تتحول “السنابل” من رمز للخصب والامتلاء إلى علامة على الفراغ والنقص، مما يخلق مفارقة داخلية في العلامة نفسها. هذا التوتر لا ينتج معنى بديلًا، بل يفتح الدلالة على اهتزاز مستمر بين النقيضين: الامتلاء والفراغ. وبالمثل، فإن “البقرات العجاف” لا تُحيل فقط إلى القحط بمعناه الاقتصادي، بل تتجاوز ذلك إلى صورة لانهيار شامل في بنية الوجود، حيث يتحول الحيوان من علامة إنتاج إلى علامة فقد وانكسار.
أما القيمة البلاغية الثانية فتتمثل في بنية الفجوات النصية، وهي عنصر جوهري في تشكيل دلالة النص. فالجملة المبتورة «أنسيت أننا…؟!» تمثل نموذجًا مكثفًا لهذه الفجوة، إذ يُحذف العنصر المكمل للمعنى، فيبقى الخطاب مفتوحًا على احتمالات متعددة لا يمكن حسمها. إن هذا الحذف لا يُعد نقصًا في التعبير، بل استراتيجية بلاغية واعية تُجبر القارئ على الدخول في عملية إنتاج المعنى بدل تلقيه. وهنا تتحول الفجوة من غياب إلى طاقة إنتاج دلالي، تجعل النص غير مكتمل عمدًا ليظل قابلًا للتأويل.
وتتجلى القيمة البلاغية الثالثة في تفكك المرجعية الرمزية واستدعاء البنية التأويلية المعطلة، خاصة في الإحالة الضمنية إلى قصة يوسف، حيث يفترض السياق التراثي وجود نظام تأويلي قادر على تفسير الرؤيا واستعادة المعنى. غير أن النص يعيد توظيف هذه البنية بطريقة مغايرة، إذ لا يستعيدها بوصفها نموذجًا للحل، بل بوصفها نموذجًا للأزمة. فالمؤوِّل الغائب أو المعطَّل لا يعيد تثبيت المعنى، بل يكشف استحالته، مما يحوّل الرمز من أداة تفسير إلى عنصر داخل الانكسار الدلالي نفسه.
كما تتجلى القيمة البلاغية في التجاور المتزامن للمتناقضات، حيث لا تُقدَّم الدلالات في سياق تطوري أو سببي، بل في لحظة واحدة تجمع بين الخصب والقحط والفراغ. فـ“السنوات” لا تُحيل إلى زمن محايد، بل إلى زمن مأزوم، بينما تتجاور السنابل والبقرات في فضاء دلالي واحد دون أن تُنتج سردية تفسيرية قادرة على الحسم. هذا التزامن يُفقد النص قدرته على إنتاج مركز دلالي ثابت، ويحوّله إلى شبكة من العلاقات المتوترة.
ومن خلال هذه الآليات، تتأسس القيمة البلاغية للنص على إعادة تعريف وظيفة البلاغة نفسها، إذ لا تعود وسيلة لتجميل القول أو توضيحه، بل تصبح أداة لإنتاج الغموض المنتج، أي ذلك الغموض الذي لا يُغلق المعنى بل يفتحه على احتمالات متعددة. فالنص لا يسعى إلى تثبيت الدلالة، بل إلى إبقائها في حالة حركة دائمة، حيث يولد المعنى من داخل توتره لا من استقراره.
وعليه، يمكن القول إن القيمة البلاغية في هذا النص لا تكمن في قوة الصورة الشعرية فقط، بل في قدرتها على تفكيك الاستقرار الدلالي وإعادة تشكيله باستمرار، بحيث يصبح الشعر مجالًا لاختبار حدود المعنى، لا لتحديده.

القصيدة:

“كوابيسُ سنواتِ السنابلِ الفارغةِ والبقراتِ العجافِ”

أيُّها الصِّدِّيقُ:
ما قـَوْلـُكَ في هَذي الكـَوابيسِ التي تـَأتي إلـيْنا
مُرْعِباتْ؟
أفـْتِنا ،إنـّا نـَرى جَمْعَ سَنابـِلْ
فارغاتٍ يابساتْ
واقفاتٍ كـَهَرَاواتٍ ، كـَصُلـْبانٍ ،
كـَقـُضـْبانِ حَديدٍ ،كـَسِياطٍ ، كـَأفاعٍ ، كـَمُدًى
كـَحِبالِ المِشـْنـَقهْ
أفـْتِنا في بقـَراتْ
أوْجُهٍ غادَرَها لـَوْنُ الحَياهْ
أعْيُنٍ غارَتْ بَعيداً في المَحاجـِرْ
كـَكـُهوفٍ مُظـْلماتْ
واُنوفٍ رَشـَحَتْ سَيْلَ صَديدٍ
فوقَ أشـْداقٍ تـَرَهَّلـْنَ على أحْناكِها
شائِهاتٍ وسِخاتْ
وبَدَتْ آذانـُها واقِفـةً كالمُرْسِلاتْ
تـَلـْقـُطـُ الأصواتَ والآهاتِ في ثانيةٍ
ومُناجاةَ الضمائِرْ
والأغاني النازفاتْ
وبَدَتْ سِيقانـُها مِثـْلَ رماحٍ وحِرابْ
وضـُروعٌ ليسَ إلّا الجـِلـْدُ فيها
وذيولٌ ألـِفـَتْ لـِعْبَ الذبابْ
فهْيَ كـَسْلى لمْ تـَعُدْ تـَحْفـَظـُ فـَرْجاً
فالقـَذاراتُ اسْتلابْ
*
أيُّها الصّدّيقُ:- إنـّا قدْ خـَرَجْنا نـَسْتـَبـِقْ
فإذا إخـْوانـُنا قدْ مَنـَعُونا الإسْتباقْ
إنـَّهمْ قدْ صاحَبوا الذئبَ وأعْطـَوهُ المَتاعْ
أشـْبَعُوهُ ، اتـّخـَذوهُ كنـَديمٍ ، شارَكوهُ الإغـْتباقْ
ثـُمُّ لـَمّا سَكِروا حتـّى ذهابِ الشمسِ
نـَحْوَ الانـْبثاقْ
نظـّفوا الساحةَ كيْ يُجْرُوا السباقْ
اتـَّفـَقـُوا أنَّ مَنْ حازَ على السَبْقِ لهُ أغـْلى وسامْ
هوَ أنْ يَمْنـَحَ للذئبِ حقوقاً باللـُّواطـْ
كـُلـُّهمْ كانوا حَريصينَ على نـَيْلِ الوسامْ
ثـُمّ لـمّا اخـْتـَـتـَمُوا اللعْبةَ جاؤوا
مَزّقوا قـمْصانـَنا ، صَبَغوها بدَمٍ كِذْبٍ
وألـْقـَوْنا عَرايا في الغـَيابَهْ
كثـْرَةُ الخـَمْرَةِ في أجْوافِهمْ قدْ جَعَلـَتـْهمْ
يُغـْرقونَ الجُبَّ بالبَوْلِ وكانوا يَضـْحَكونْ
ومَضـَوا نـَحْوَ أبيهمْ يَصْرَخونْ:
إنـَّهُ الذئبُ وهذا الدَمُ شاهِدْ
هكذا كانوا بحُزْنٍ يصرخونْ
*
حينَ اُدْخِلـْنا على صاحبةِ القـَصْرِ العَفيفهْ
أصْدَرَتْ أمْراً بأنْ تـُخـْصِيَنا فـَخـُصِينا
ثـُمَّ لـَمّا انـْفـَرَدَتْ في غـرْفةِ النوْمِ بنا
غـَلـَّقـَتْ أبْوابَها
خـَلـَعَتْ أثـْوابَها
أخـَذتْ تـَهْذي وتـَهْذي: (هَيْتَ لـَكْ)
أمَرَتْ أنْ نـَفـْعَلَ الفـُحْشَ بها
إنـّها هَمَّتْ بنا………………..
……………………………….
لـَحْظـَةً ــ سَيَّدَتي ــ أنـَسِيت أنـَّنا ………؟!
فاسْتـَشاطـَتْ غـَضَـباً صارخةً:-
نـَفـِّذوا أمْري وأنتمْ صاغِرونْ
نـَفـِّذوا أمْري وإلّا فالسّجونْ
*
أيُّها الصِّدِّيقُ:- ما قـوْلـُك في رُؤْيا سَجينٍ؟
إنـّهُ يعْصِرُ جـِلـْداً لا عِنـَبْ
وسَجينٍ حامِلٍ آنِيةً فارغةً يَذْرُقُ الطيرُ عليها؟
*
أيُّها الصِّدِّيقُ:
إنـّا ما سَرَقـْنا إنـَّما الحرّاسُ كانوا السارقين
ولقدْ كادُوا لنا
فلـَقـدْ دَسُّوا صُواعاً بينَ أحْمالٍ لنا
لـَفـَّقوا التـّهمةَ حتـّى يَأخذوا الأجْمَلَ فينا
كـَرَهينَهْ
إنـَّهمْ كانوا يُجيدون اللـُواطـْ

الشاعر خالد صبر سالم

اترك رد