منبر العراق الحر :
تكمن قناعة راسخة لا تقبل المساومة في عمق العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مفادها أن التفوق العسكري النوعي هو هوية الدولة ذاتها والضامن الوحيد لاستمرارها في محيط يُنظر إليه في تل أبيب على أنه معادٍ بطبيعته ومشبع بالتهديدات الوجودية، هذه العقيدة تتجاوز بكثير مفهوم الجيش القوي أو الذراع الطويلة، لتستقر في أعماق فكرة شاملة تقوم على إدامة حالة من التفرد الاستراتيجي الإقليمي بحيث تبقى إسرائيل اللاعب الوحيد الذي يمتلك الملاذ الأخير في أي مواجهة كبرى، ألا وهو الردع النووي، ينطلق صانع القرار الإسرائيلي من فرضية أن وجوده محاط بدول وجماعات قد لا تستطيع إسرائيل حسم حرب تقليدية طويلة الأمد ضد تحالفاتها مجتمعة خاصة إذا ما استنزفت قدرات الجبهة الداخلية أو تآكل الدعم اللوجستي الخارجي، وهنا تحديداً تبرز القدسية المطلقة لسلاح الردع النووي بوصفه بوليصة التأمين الأزلية ضد سيناريو هرمجدون أو الانهيار المفاجئ.
من هذا المنظور، لا يُقرأ الصراع الحالي مع إيران بمعزل عن باقي الملفات الإقليمية بل هو يتقدمها جميعاً ليصبح بؤرة الصراع المركزي حول مستقبل النظام الإقليمي برمته، إن ما تصفها إسرائيل بحملة الردع ضد طهران، ليست مدفوعة فقط بالخوف من صواريخ بالستية إيرانية تنطلق نحو تل أبيب، فهذا السيناريو الكارثي هو مجرد القمة الظاهرة من جبل الجليد، الخطر الأعمق والأكثر تهديداً من وجهة النظر الإسرائيلية يكمن في أن تتحول إيران إلى دولة نووية تنجح في كسر احتكار تل أبيب لهذا النوع من القوة المطلقة، فمجرد امتلاك طهران للقدرة على إنتاج سلاح نووي أو الإعلان عن حيازته، يعني إحداث زلزال إقليمي يقوض تماماً فلسفة توازن الرعب التي بنتها إسرائيل وأحكمت بها السيطرة على المنطقة، إن كسر هذا الاحتكار يعني ولادة شرق أوسط جديد لا تستطيع فيه إسرائيل توجيه ضرباتها الاستباقية الجوية العميقة بحرية مطلقة كما اعتادت لعقود، خشية من أن يُقابل أي هجوم تقليدي برد استراتيجي مزلزل من قوة نووية منافسة، إيران النووية في الحسابات الإسرائيلية تعني نهاية عصر الحرب الخاطفة وبداية عصر الردع المتبادل، وهو وضع تعتبره تل أبيب خطراً وجودياً كونه يسلبها ميزة المبادرة الدائمة ويجبرها على إعادة حسابات الردع بشكل قد يشل قدرتها على المناورة العسكرية.
وفي السياق ذاته، تطل من الشرق معضلة استراتيجية موازية تتمثل في القوة النووية الباكستانية المتنامية، غالباً ما يُنظر إلى باكستان من منظور الجغرافيا البعيدة، لكنها في عقل الاستخبارات والتخطيط الإسرائيلي تمثل تحدياً متعدد الأبعاد، فوجود ترسانة صواريخ متطورة وقوة نووية في دولة إسلامية ذات جيش محترف وتاريخ من التوتر مع الهند، يُنظر إليه في تل أبيب كخزان استراتيجي هائل للخبرات النووية والتكنولوجيا الصاروخية التي قد تتسرب عبر شبكات معقدة إلى الساحة العربية أو الإيرانية اوحتى التركية، التحليل الاستراتيجي الإسرائيلي لا يرى باكستان كدولة معادية مباشرة على الحدود لكنه يدرك أن ثقلها النووي يمثل نقطة ارتكاز في ميزان القوى الإسلامي، وأن أي انهيار داخلي فيها أو تحول في عقيدتها العسكرية قد يُحدث فوضى نووية تطال آثارها تل أبيب، ولذلك تسعى السياسة الإسرائيلية بشتى الوسائل، سواء عبر التحالفات الدولية أو العمليات الاستخباراتية غير المعلنة، إلى إضعاف أي صلة محتملة بين الخبرات النووية الباكستانية وخصوم إسرائيل الإقليميين إيماناً منها بأن احتكارها الخاص للقوة الذرية لا يجب أن يُبتذل أو يصبح نموذجاً قابلاً للتصدير في العالم الإسلامي.
هذا الهوس بمنع الآخرين من تحقيق أي شكل من أشكال التكافؤ أو توازن القوى يتجلى بوضوح في علاقة إسرائيل بتركيا وإيران كقوتين غير عربيتين رئيسيتين في الشرق الأوسط، إن استراتيجية تقسيم وإضعاف القوى الإقليمية الكبرى هي نهج ثابت في السياسة الخارجية الإسرائيلية، فالدولة العبرية تدرك بعمق أن صعود قوى إقليمية مستقلة ذات قدرات عسكرية وصناعية متطورة، سواء كانت إيران بحلمها النووي والصاروخي أو تركيا بطموحاتها الاقليمية والسياسية وصناعاتها الدفاعية المتقدمة، يخلق بيئة متعددة الأقطاب تخنق فسحة الحرية العملياتية الإسرائيلية، فبالنسبة لإسرائيل، فإن الدولة الإقليمية المثالية هي تلك التي تكون غارقة في التبعية التقنية والاقتصادية للغرب أو منشغلة بهمومها الداخلية والصراعات الحدودية، وليس دولة قادرة على بناء مقاتلاتها الخاصة أو إطلاق أقمارها الصناعية للتجسس، النفوذ الإسرائيلي يُحمى بإبقاء هذه القوى في حالة من العجز الاستراتيجي الدائم، بحيث لا تملك أي دولة مجاورة أو منافسة القدرة على تهديد الملاحة الإسرائيلية في المتوسط أو البحر الأحمر أو القدرة على إقامة مظلة دفاع جوي متكاملة تتصدى لسلاح الجو الإسرائيلي.
أن السلام في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي لا يُبنى على التكافؤ أو الشراكة بل على التفوق الساحق والردع غير المتماثل، استراتيجية منع أي طرف آخر من تحقيق توازن القوى ليست مجرد تكتيك عسكري، بل هي شرط وجودي يتيح لإسرائيل خوض ما تشاء من حملات بين الحروب أو شن هجمات استباقية ضد منشآت وبنى تحتية في دول الجوار دون أن تخشى ردود فعل مدمرة حقيقية، إن إدامة حالة الاحتكار النووي والتفوق التقني الجوي هي بمثابة إبقاء لليد العليا في سباق تسلح لا تريد إسرائيل أن تشارك فيه، وبقدر ما تسعى إسرائيل لتعزيز هذا التفوق، فهي في الواقع ترسم ملامح شرق أوسط قائم على فوضى خلاقة لا يمتلك فيها سوى لاعب واحد شبكة الأمان النووية الكاملة، وهذا الواقع الهش الذي ترعاه تل أبيب بقوة السلاح والاستخبارات يحمل في طياته بذور حروب قادمة لا محالة، لأن الطرف المحتكر للقوة المطلقة سيظل ينظر إلى أي محاولة لانتزاع هذه المكانة على أنها إعلان حرب لا يقبل التسوية، تماماً مثل مانشهده اليوم من احداث.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر