بين أن تملك… وأن تكون …بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليس أخطر ما قد يعيشه الإنسان أن يخسر العالم…
بل أن يربحه كله، ويكتشف متأخرًا أنه لم يعد يعرف نفسه.

منذ البدء، وُضعنا على حافة سؤالٍ لا يهدأ:
هل نحن هنا لنملك… أم لنفهم؟
لنُراكم… أم لنرتقي؟

لكن الحقيقة التي يخشاها الكثيرون:
أننا خُلقنا لنفعل الاثنين…
وأن الفشل الحقيقي ليس في الاختيار، بل في التطرف.

الروح تهمس فينا كل يوم: “لا تنسني”…
والمادة تصرخ: “لن تعيش بدوني”.
وبين الهمس والصراخ، يتشكل مصير الإنسان.

هناك من ربح كل شيء… إلا نفسه.
ترى اسمه يلمع، وصوره تُصفق لها العيون،
لكن داخله غرفة فارغة، لا يسكنها إلا التعب.

وهناك من انسحب من العالم،
ظنّ أن النجاة في الابتعاد،
فاكتشف متأخرًا أن السلام الذي لا يُختبر في الواقع… وهم.

أخطر ما يمكن أن يحدث لك…
ليس أن تضل الطريق،
بل أن تنجح فيه… وهو ليس طريقك أصلًا.

الحياة لا تُعاقبنا دائمًا بالخسارة…
أحيانًا تُعاقبنا بالوصول.

تأمل شابًا يسهر الليل، يعمل بصمت، يحلم كثيرًا.
في لحظةٍ ما، يُعرض عليه اختصار الطريق…
صفقة صغيرة، تنازل بسيط، كذبة “بيضاء”.
لا شيء كبير… فقط انحناءة خفيفة.

لكن الحقيقة التي لا تُرى:
أن بعض الناس لا يخسرون أنفسهم فجأة…
بل يبيعونها بالتقسيط، على هيئة تنازلات صغيرة.

وفي زاويةٍ أخرى من الحياة،
رجلٌ بسيط يعود من عمله متعبًا،
يجلس مع أطفاله، يضحك رغم الإرهاق.
لا يملك الكثير… لكنه يملك نفسه.
وهذا… شكلٌ آخر من أشكال الثراء.

المشكلة ليست في المال…
بل في اللحظة التي يتحول فيها من وسيلة إلى سيد.
وليست الروحانيات خلاصًا…
حين تصبح ذريعة للهروب من المواجهة.

الحكمة ليست أن تختار جانبًا…
بل أن تتحمل ثقل التوازن.

أن تركض خلف حلمك… دون أن تدهسك رغبتك.
أن تبني حياتك… دون أن تهدم روحك.
أن تصعد… دون أن تنسى من كنت قبل أن تصعد.

أن تملك… دون أن تُملك.
أن تكون… حتى وأنت تسعى لأن تملك.

الحياة ليست معركة بين الروح والمادة…
بل اختبار:
هل تستطيع أن تمرّ من خلالها دون أن تفقد حقيقتك؟

في النهاية…
لن يتذكرك العالم بما جمعت،
ولا بما تركت،
بل بما لم تستطع الحياة أن تنتزعه منك.

قيمك…
صدقك…
إنسانيتك حين كان بإمكانك أن تكون عكس ذلك.

حين تهدأ الضوضاء، وتختفي الوجوه،
ويبقى الإنسان وحده مع نفسه…
هناك فقط يظهر الجواب الحقيقي.

ليس: كم ربحت؟
ولا: كم تأملت؟

بل سؤال واحد، بسيط… وقاسٍ:
هل كنت حقيقيًا… أم مجرد نسخةٍ مما أراده العالم منك؟

إن استطعت أن تجيب بصدق

انت لم تعش فقط…
أنت كنت

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد