التجنيد الإلزامي، قرار فاقد للمعنى ! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
الدعوة إلى إحياء التجنيد الإلزامي من قبل مجلس النواب العراقي تبدو أقرب إلى المفارقة الثقافية السياسية، إذ يتضح خللها في غياب الفهم للتحول الذي حصل في البلاد بعد عام 2003، وتحول العراق إلى دولة مدنية دستورية، بعد أن غادر النظام المركزي الدكتاتوري الذي كان يضع عسكرة المجتمع وثقافة الحرب في جوهر سلوكه العنيف ومنهجيته في تعريف القوة.
الأنظمة الديمقراطية، بعد الحرب العالمية، تخلّت عن فكرة الجيوش الإلزامية، وجعلت مهام الجيش تعتمد على الاحتراف في المهنية العسكرية التي يتطوع لها من يمتلك القدرات الجسدية والتحصيل العلمي، الذي يستدعي مواكبة التطورات التقنية الهائلة التي دخلت على صنوف القوات المسلحة. وهكذا بدأ التعامل مع بناء الجيش العراقي الحديث بعد عام 2003.
الإشكالية التي تكشفت في مقترح إعادة قانون التجنيد الإلزامي تتجلى في عدم معرفة فكر أو فلسفة الدولة العراقية التي رسمها الدستور العراقي الدائم لعام 2005، كما يتمظهر الخلل البنيوي في التعاطي مع فكرة التجنيد في السياق العُرفي الذي درج عليه مجلس النواب والعملية السياسية برمتها، ضمن منهج المحاصصة الطائفية والعرقية والإثنية، حيث تحولت إلى عرف متموضع في ذهن وسلوك الأحزاب وزبائنها وطموحاتها.
لقد جاء منهج المحاصصة العِرق-طائفية لينسف فكرة المواطنة التي تشكل إحدى الأواصر في إقامة المؤسسات السيادية الوطنية، ما يتعذر معه وجود عقيدة عسكرية وطنية تقوم على فلسفة الدولة الغائبة أصلاً، جراء تخلي مجلس النواب عن التمسك بها، والتركيز على الحصص التي تمثل الأحزاب الطائفية والمناطقية والعرقية والإثنية، وقد تجذّر وجودها في السلطة عبر استثمارها في المال العام ونهب ثروات الدولة، وتغوّل الفساد الذي يدرّ عليها ثروات ونفوذاً بلا حدود.
غياب العدالة في مصادر العيش وتكافؤ فرص العمل والتوظيف والإثراء يُعدم روح التشارك بفكرة الشعور بالوطن والوطنية، وهو السائد منذ عقدين من الزمن، ما ترك في الشارع العراقي ملايين العاطلين عن العمل، وملايين أخرى تحت خط الفقر، فكيف يمكن إقناع هذه الملايين الواقفة على حافة الاحتجاج والثورة بالتجنيد الإلزامي؟
لا نذهب بعيداً إذا قلنا إن الطبقة السياسية الحاكمة بعيدة عن نبض الشارع وهموم الحياة العراقية وصعوباتها وضغوطها، إنها طبقة سياسية مترفة، بحوزتها أموال طائلة، تحيط بها حمايات مسلحة كبيرة، وتمضي حياتها في ملذات وسفر وقصور هائلة تعيد صور الامبراطوريات القديمة، وقد سيطرت على أصول البلاد وثرواتها حتى أفقرت العراق! ولم يعد يشغلها سوى انتهاك كرامة المواطن العراقي الفقير في الجندية، التي يفلت منها ابن العائلة الغنية بدفع البدل النقدي، وقد يكون موضوع البدل النقدي هو المحرّك الذي طاف في خيال الطبقة السياسية، كمورد تعويضي عن موت الصناعة والزراعة والاستثمار وتراجع موارد النفط.
إن فكرة الجندية أو العسكرية بوصفها مصنع الأبطال أو الرجال هي جزء من موروث ثقافي لحكومات العسكر والفاشية، وإذا أُفقر خيال الطبقة السياسية عن إيجاد محركات لإحياء فكرة المواطنة لدى العراقيين، فلتتخلَّ عن فكرة المحاصصة والطائفية التي سترافق الجندي والضابط إلى المعسكر !

اترك رد