«حكومة بنكهة ترامبية» بغداد بين منطق الصفقة وامتحان السيادة… الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

⏺️ المقدمة: العراق يدخل مرحلة “الدولة أم اللا دولة”

ليست “حكومة بنكهة ترامبية” مجرد استعارة سياسية تصف حكومة عراقية جديدة تحاول التقرب من واشنطن أو التحدث بلغة الاستثمار والطاقة.

إنها توصيف لمرحلة عراقية كاملة تحاول فيها بغداد الانتقال من منطق “إدارة التوازنات المؤقتة” إلى مشروع أكثر جرأة يقوم على بناء دولة مستقرة بمؤسسات دائمة وعلاقات استراتيجية طويلة الأمد.

ففي لحظة إقليمية شديدة الخطورة، حيث الحرب الأميركية–الإيرانية تعيد تشكيل الخليج، وتتحول الطاقة والممرات البحرية إلى أدوات صراع عالمي، يجد العراق نفسه أمام سؤال مصيري لم يعد قابلاً للتأجيل:

هل يبقى ساحةً تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية؟

أم يتحول أخيرًا إلى دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تحمي سيادتها، وكيف تستثمر جغرافيتها وثروتها؟

هنا تحديدًا تظهر “النكهة الترامبية” للحكومة الجديدة:

لغة البزنس، الشراكات الكبرى، الشركات النفطية العملاقة، الاستثمار، الأمن الاقتصادي، والعلاقة مع واشنطن بوصفها علاقة مصالح لا مجرد تفاهمات أمنية مؤقتة.

لكن مأزق العراق أعمق بكثير من مجرد الاقتصاد؛ لأن الدولة التي لا تحتكر القرار الأمني لا تستطيع أن تطمئن المستثمرين، والحكومة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تتحول إلى شريك استراتيجي كامل.

ومن هنا، فإن حكومة علي الزيدي لا تواجه اختبار تشكيل وزارة فقط… بل اختبار إعادة تعريف الدولة العراقية نفسها.

1️⃣ من “الصفقة المؤقتة” إلى “الدولة المستدامة”

أخطر ما قيل في خطاب الحكومة الجديدة لم يكن الحديث عن النفط أو الشركات الأميركية، بل الرسالة السياسية العميقة التي حاولت بغداد تمريرها بهدوء:

العراق لا يريد علاقة مرتبطة بأسماء الرؤساء أو تبدل الإدارات في واشنطن، بل يسعى إلى علاقة مؤسساتية مستقرة تقوم على المصالح طويلة الأمد لا على التفاهمات العابرة.

هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية محسنة، بل محاولة لإعادة تعريف موقع العراق في النظام الإقليمي والدولي.

فالدولة التي تربط مصيرها بالأشخاص تعيش مع كل انتخابات حالة قلق وجودي، أما الدولة التي تبني مصالح متشابكة مع القوى الكبرى، فإنها تتحول من “ملف أمني” إلى “شريك استراتيجي”.

ولهذا بدت عبارة:

“العراق لا يريد صفقات عاجلة أو مؤقتة”

أقرب إلى إعلان فلسفة حكم جديدة لا مجرد توصيف لعلاقة خارجية.

لكن العبارة الأخطر جاءت في مكان آخر:

“بغداد لن تسمح بوجود دولة داخل دولة”.

هنا يدخل العراق أكثر مراحله حساسية منذ عام 2003؛ لأن الحديث لم يعد عن تهدئة الفصائل أو تنظيم العلاقة معها، بل عن مبدأ احتكار الدولة للقرار الأمني والسيادي.

وهذا التحول بالغ الحساسية؛ لأن كل التجارب الدولية تؤكد أن الاستثمار لا يعيش في بيئة السلاح المتعدد، وأن الممرات الاقتصادية الكبرى لا تمر عبر دول القرار المزدوج.

ولهذا تبدو الحكومة وكأنها تحاول بناء معادلة جديدة تقول:

لا سيادة بلا استقرار،

ولا استقرار بلا احتكار الدولة للقوة،

ولا اقتصاد بلا دولة قادرة على حماية القرار الوطني.

2️⃣ واشنطن لا تريد وعودًا… بل تغييرًا بنيويًا

تدرك الإدارة الأميركية أن العراق لم يعد مجرد ملف شرق أوسطي تقليدي، بل عقدة استراتيجية تربط الخليج بإيران وتركيا وسوريا والطاقة العالمية.

ولهذا فإن الدعم الأميركي للحكومة الجديدة لا يبدو دعمًا مجانيًا أو مفتوحًا، بل أقرب إلى “اختبار مشروط”.

إدارة ترامب تريد عراقًا مختلفًا:

◾️عراقًا لا تُستهدف منه المصالح الخليجية،

◾️ولا تتحرك فيه الفصائل بمعزل عن الدولة،

◾️ولا يتحول إلى منصة إقليمية للضغط على واشنطن وحلفائها.

وفي المقابل، تحاول بغداد تقديم نفسها كشريك يمكن الاعتماد عليه:

◾️حماية الشركات النفطية،

◾️ضمان أمن الاستثمار،

◾️بناء شراكات طويلة الأمد،

◾️وتحويل العلاقة مع واشنطن من العلاقة الأمنية البحتة إلى علاقة مصالح اقتصادية واستراتيجية.

لكن واشنطن لا تنظر إلى الخطاب فقط، بل إلى القدرة على التنفيذ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:

هل تستطيع الحكومة تحويل “رجل الدولة” إلى مركز القرار الفعلي؟

أم أن بنية القوة العراقية ستبقى موزعة بين الدولة الرسمية والقوى الموازية؟

3️⃣ “العراق 2026”: كيف ترى مراكز التفكير الغربية شكل الدولة العراقية القادمة؟

لم يكن انعقاد مؤتمر المجلس الأطلسي تحت عنوان:

“العراق 2026: العراق في شرق أوسط جديد”

حدثًا أكاديميًا عابرًا، بل مؤشرًا بالغ الأهمية على أن العراق عاد مجددًا إلى طاولة إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

فالرسالة غير المعلنة للمؤتمر كانت واضحة:

المنطقة تدخل مرحلة جديدة بعد الحرب الخليجية الأخيرة، والعراق لم يعد يُنظر إليه فقط بوصفه ساحة نزاع، بل باعتباره عقدة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى:

◾️ممر طاقة عالمي،

◾️نقطة ربط تجاري بين الخليج وتركيا وأوروبا،

◾️أو على العكس… إلى خاصرة رخوة تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

ولهذا ركزت النقاشات داخل المؤتمر على ثلاثة عناوين كبرى:

◾️احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني

◾️تحويل العراق من اقتصاد ريعي إلى منصة استثمار وطاقة ونقل

◾️وبناء شراكة مؤسساتية طويلة الأمد مع واشنطن والخليج بدل العلاقات الظرفية المؤقتة

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم “النكهة الترامبية” للحكومة الجديدة؛

فالمطلوب أميركيًا لم يعد فقط حكومة تمنع الهجمات على المصالح الأجنبية، بل حكومة قادرة على إعادة تعريف وظيفة العراق الجيوسياسية والاقتصادية داخل الشرق الأوسط الجديد.

لكن المشكلة أن الانتقال من “دولة التوازنات” إلى “دولة المصالح الاستراتيجية” يتطلب قرارًا سياديًا مركزيًا لا يزال العراق يخوض معركته الأصعب من أجل تثبيته.

4️⃣ الجغرافيا العراقية: من ساحة حرب إلى ممر عالمي

واحدة من أهم النقاط التي طرحتها السفيرة الأميركية السابقة ألينا رومانسكي كانت أن العراق يمتلك فرصة جيوسياسية استثنائية لم يستثمرها منذ عقود.

فالعراق ليس مجرد دولة نفطية، بل عقدة جغرافية تربط:

◾️الخليج بتركيا،

◾️وآسيا بأوروبا،

◾️والطاقة بالممرات التجارية العالمية.

ولهذا فإن الحديث عن:

◾️الأنابيب،

◾️النقل،

◾️الموانئ،

◾️والطاقة،

    لم يعد ملفًا اقتصاديًا فقط، بل مشروعًا لإعادة تعريف وظيفة العراق في المنطقة.

لكن هذه الفرصة تصطدم بمشكلة جوهرية:

لا يمكن أن يتحول العراق إلى ممر عالمي بينما يبقى ساحة صراع مفتوحة.

فالاستثمار الدولي لا يبحث فقط عن الثروة، بل عن الاستقرار، والقوانين، ووحدة القرار الأمني.

ومن هنا يصبح ملف “الدولة داخل الدولة” ليس ملفًا أمنيًا فحسب، بل عقبة مباشرة أمام تحويل الجغرافيا العراقية إلى قوة اقتصادية وسيادية حقيقية.

5️⃣ الخليج لم يعد يحتمل عراقًا رماديًا

الحرب الأخيرة في الخليج غيّرت الكثير من الحسابات.

فدول الخليج لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه “جارًا معقدًا” فقط، بل باعتباره ساحة قد تتحول إلى مصدر تهديد مباشر إذا بقي القرار الأمني موزعًا.

ولهذا فإن الضغوط الخليجية والأميركية على بغداد لم تعد تركز فقط على العلاقة مع إيران، بل على سؤال أكثر حساسية:

من يملك القرار الحقيقي داخل العراق؟

وهنا تصبح الحكومة الجديدة أمام معادلة شديدة التعقيد:

◾️طمأنة واشنطن،

◾️عدم استفزاز طهران،

◾️ضبط الفصائل،

◾️وجذب الاستثمار،

    وكل ذلك في وقت واحد.

وهي معادلة لا تنجح بالشعارات، بل ببناء دولة قادرة فعليًا على فرض مركزية القرار.

(( العراق أمام لحظة انتقال تاريخية ))

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا يُختبر العراق فقط بقدرته على تشكيل حكومة، بل بقدرته على إعادة تعريف معنى الدولة نفسها.

فكل ما يجري اليوم:

◾️من حديث عن الطاقة،

◾️والشركات الأميركية،

◾️والممرات الاقتصادية،

◾️وضبط السلاح،

◾️وبناء شراكات مستدامة،

    ليس ملفات منفصلة… بل أجزاء من سؤال واحد:

هل يستطيع العراق الانتقال من دولة تعيش على إدارة الأزمات، إلى دولة تبني الاستقرار بوصفه مشروعًا دائمًا؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت “حكومة بنكهة ترامبية” بداية مرحلة جديدة… أم مجرد هدنة سياسية أخرى داخل أزمة عراقية طويلة

⏺️ الخاتمة: هل ينجح العراق في التحول من “ساحة” إلى “دولة”؟

جوهر التحدي أمام حكومة علي الزيدي ليس في كسب رضا واشنطن أو طهران أو الخليج، بل في كسب معركة الدولة نفسها.

فالنكهة “الترامبية” للحكومة قد تمنحها لغة جديدة:

لغة الاستثمار والطاقة والصفقات والشركات الكبرى.

لكن العراق لا يحتاج اليوم إلى “صفقة سياسية” بقدر حاجته إلى إعادة تأسيس مفهوم الدولة:

◾️دولة تحتكر السلاح،

◾️وتحمي الاقتصاد،

◾️وتفرض القرار السيادي،

◾️وتحوّل الجغرافيا من عبء أمني إلى فرصة استراتيجية.

فإذا نجحت الحكومة في ذلك، فقد يدخل العراق لأول مرة منذ سنوات طويلة مرحلة “الاستقرار المستدام”.

أما إذا بقيت الدولة تتحرك بمنطق التوازنات المؤقتة والتسويات المرحلية، فإن “حكومة بنكهة ترامبية” قد تتحول من فرصة تاريخية إلى مجرد عنوان جذاب لدولة لم تحسم بعد سؤالها الأكبر:

من يحكم العراق فعليًا… الدولة أم توازن القوى داخلها؟

اترك رد