منبر العراق الحر :في زمنٍ تتزاحم فيه الكوارث على الأبواب، وتتفشى الأوبئة في الجسد والروح، وتتصاعد ألسنة الحروب كأنها قدر لا ينتهي، يقف الإنسان حائرًا أمام سؤالٍ قديم يتجدد مع كل مأساة: لماذا يسمح الله بكل هذا الألم؟ لماذا يموت الأبرياء؟ لماذا تنهار البيوت فوق ساكنيها؟ ولماذا تبدو السماء أحيانًا صامتة أمام صرخات البشر؟
إنه سؤال رافق الإنسانية منذ فجر الوعي، وأرهق عقول الفلاسفة والحكماء والمتصوفين ورجال الدين عبر العصور. فكيف يمكن التوفيق بين الإيمان بإله رحيم محب، وبين عالم يمتلئ بالمعاناة والفقدان؟
ربما يكون أول ما ينبغي علينا فعله هو التخلي عن الصورة المبسطة للإله، تلك الصورة التي تختزله في دور الحارس الذي يتدخل في كل لحظة ليمنع كل ألم ويصحح كل خطأ. فالإيمان الأعمق يرى أن الله لم يخلق الإنسان ليكون آلة مبرمجة على الخير، بل كائنًا حرًا قادرًا على الاختيار.
ومن هنا تبدأ المعضلة.
فالحرية التي تجعل الحب ممكنًا، هي نفسها التي تجعل الكراهية ممكنة. والقدرة على العطاء هي ذاتها القدرة على الظلم. ولو سلب الله الإنسان حريته منعًا للشر، لسلبه في الوقت نفسه إمكانية الخير الحقيقي. لأن الخير لا يكون خيرًا إلا إذا اختير بإرادة واعية.
لهذا يمكن فهم كثير من الحروب والظلم والاستغلال باعتبارها ثمنًا مؤلمًا لحرية الإنسان وسوء استخدامه لها. فمعظم المآسي التي يصنعها البشر ليست دليلًا على غياب الله، بل على قدرة الإنسان على الانحراف عن القيم التي دُعي إليها.
لكن يبقى سؤال أصعب: ماذا عن الأمراض والكوارث الطبيعية؟ ما ذنب طفلٍ يولد بمرضٍ قاسٍ؟ وما ذنب قريةٍ يبتلعها زلزال أو إعصار؟
هنا تصبح الإجابات أكثر تواضعًا.
فليس كل ألم عقوبة، وليس كل كارثة رسالة غضب إلهي كما يتصور البعض. إن الطبيعة تسير وفق قوانينها، والحياة البشرية نفسها قائمة على هشاشة عميقة تذكرنا دومًا بأننا لسنا سادة الكون، بل جزء منه. وقد يكون من الحكمة الاعتراف بأن هناك جوانب من الوجود تتجاوز قدرتنا المحدودة على الفهم.
ومع ذلك، فإن المدهش في التجربة الإنسانية ليس وجود الألم بقدر ما هو قدرة الإنسان على تحويله إلى معنى.
كم من علاقات إنسانية وُلدت في أروقة المستشفيات! وكم من أعمال عظيمة خرجت من رحم المعاناة! وكم من شعوب أعادت اكتشاف قوتها بعد الكوارث! فالمحنة لا تصنع الفضيلة تلقائيًا، لكنها كثيرًا ما تكشف ما كان كامنًا في النفوس من شجاعة ورحمة وصبر.
إن الألم ليس خيرًا بحد ذاته، ولا ينبغي تمجيده أو البحث عنه. لكن الإنسان يمتلك قدرة فريدة على أن يجعل منه نقطة انطلاق نحو وعي أعمق بالحياة، ونحو تعاطف أكبر مع الآخرين، ونحو إصرار أشد على مقاومة الظلم.
ولعل السؤال الأهم ليس: “لماذا يوجد الشر؟” بل: “كيف سنواجهه؟”
هل نستسلم للكراهية أم نزرع المحبة؟ هل نرد على العنف بعنفٍ أكبر أم نبني جسور السلام؟ هل نحول الجراح إلى أسباب للانتقام أم إلى دوافع للرحمة والتغيير؟
ربما لن نحصل يومًا على إجابة كاملة لكل أسباب الألم. وربما ليس مطلوبًا منا أن نفهم كل شيء. لكن ما نستطيع فعله هو ألا نسمح للشر بأن يكون الكلمة الأخيرة.
فالله لا يُرى فقط في النظريات الفلسفية ولا في الجدل العقائدي، بل يتجلى أيضًا في يدٍ تمتد لمساعدة منكوب، وفي طبيبٍ يسهر على مريض، وفي أمٍ تحتضن أبناءها وسط الخوف، وفي إنسانٍ يختار الخير رغم كل ما حوله من ظلام.
لذلك، عندما تعصف بنا الأسئلة الكبرى، قد لا يكون المطلوب أن نتوقف عن السؤال، بل أن نواصل السير رغم غموض الطريق، وأن نطلب من الله قلبًا أكثر حكمة من أن ييأس، وأكثر رحمة من أن يقسو، وأكثر إيمانًا من أن ينكسر.
ففي قلب العاصفة قد لا نجد جميع الأجوبة، لكننا نستطيع أن نجد الشجاعة لنواصل الحياة، والمحبة لنواسي بعضنا بعضًا، والأمل الذي يجعل النور ممكنًا حتى في أحلك الليالي.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر