«معادلة لوسيرن» بالمنظور الإسرائيلي عندما تتصادم البراغماتية الأمريكية مع الأمن الوجودي الإسرائيلي …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

التقرير الاستراتيجي رقم 18: “الفيتو الإسرائيلي”

التاريخ: 24 حزيران/يونيو 2026

في الوقت الذي تُبشّر فيه الأوساط الدبلوماسية في سويسرا بـ «معادلة لوسيرن» باعتبارها اختراقاً تكتيكياً نجح في نزع فتيل مواجهة كبرى في الشرق الأوسط، تقف تل أبيب على الضفة المقابلة تماماً من هذا التفاؤل. بالنسبة للمؤسستين العسكرية والسياسية في إسرائيل، لا تمثل هذه المقايضة (التي توازن بين أمن مضيق هرمز والإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية) اتفاقاً دبلوماسياً متوازناً، بل تُصنف كـ “هدنة هشة” تخدم المصالح الاقتصادية الآنية لإدارة ترامب على حساب الأمن الوجودي لشركاء واشنطن الإقليميين.

ينطلق المنظور الإسرائيلي في تفكيك هذه المعادلة من ثغرتها البنيوية الأكبر: وهي غياب إسرائيل المتعمد عن طاولة المفاوضات في منتجع “بورغنشتوك”. هذا التهميش الدبلوماسي يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب؛ إذ ترى فيه مؤشراً على تحول استراتيجي في أولويات البيت الأبيض، حيث يتقدم هاجس كبح التضخم وضبط أسعار الوقود لدى “جناح جي دي فانس” على حساب تفكيك التهديدات العسكرية المباشرة التي تحيط بالحدود الإسرائيلية.

تتلخص القراءة الاستراتيجية الإسرائيلية لمعادلة لوسيرن في أربعة معضلات رئيسية:

1️⃣ عقدة الـ 60 يوماً وإعادة بناء القوة

تنظر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى مهلة الـ 60 يوماً باعتبارها طوق نجاة مجاني مُنح لمحور المقاومة. ففي حين ترى واشنطن في المهلة فترة اختبار نيات، ترى فيها تل أبيب فرصة ذهبية للحرس الثوري الإيراني وحزب الله لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف اللوجستية، وترميم الترسانة الصاروخية وشبكات الاتصال بعد الضربات القاسية التي تلقياها. إن تجميد النزاع دون تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان يُعد، بالمنظور الإسرائيلي، تأجيلاً للحرب وليس إنهاءً لها.

2️⃣ وهم “الأموال الإنسانية” والتمويل المتقاطع

تشكك إسرائيل علناً في كفاءة آليات المراقبة القطرية والسويسرية المفروضة على الـ 25 مليار دولار. الحجة الإسرائيلية التقليدية، التي يتردد صداها داخل تيار الصقور في واشنطن بقيادة ماركو روبيو، هي أن ضخ هذه المليارات لتغطية مشتريات إيران من القمح والسلع الأساسية سيحرر تلقائياً ميزانيات ضخمة كانت مخصصة للاستهلاك الداخلي، لتوجيهها مباشرة نحو تمويل الفصائل الإقليمية وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية.

3️⃣ آلية فض الاشتباك الناقصة

إن استحداث “خلية منع التصادم” (De-confliction Cell) برعاية قطرية-باكستانية لتثبيت الهدنة في لبنان يُعد خطوة هشة في العُرف العسكري الإسرائيلي. فغياب التنسيق العسكري المباشر مع الطرف الإسرائيلي المحتل للأرض يحول دون القدرة على معالجة أي سوء فهم ميداني، مما يجعل الاتفاق عرضة للانهيار التلقائي عند إطلاق أول قذيفة غير منسقة.

4️⃣ المعضلة الإسرائيلية الكبرى:

  بين أمن الوجود وتحالف الضرورة

تكمن الإشكالية الأعمق في أن إسرائيل لا تواجه “معادلة لوسيرن” كصفقة اقتصادية فحسب، بل كاختبار لطبيعة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة نفسها. فمنذ عقود طويلة تأسس الأمن القومي الإسرائيلي على فرضية أن واشنطن تتبنى التهديدات الإسرائيلية باعتبارها تهديدات أمريكية أيضاً. أما اليوم، فإن بروز تيار أمريكي براغماتي يركز على الطاقة والتضخم والاستقرار الاقتصادي يثير في تل أبيب مخاوف من اتساع الفجوة بين مفهوم “الأمن الوجودي” الإسرائيلي ومفهوم “المصلحة القومية” الأمريكية. ولذلك فإن جوهر القلق الإسرائيلي لا يتعلق بالـ 25 مليار دولار أو مهلة الستين يوماً فقط، بل بالخوف من أن تكون معادلة لوسيرن مؤشراً على بداية إعادة تعريف الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط.

“لا تخشى إسرائيل ما تمنحه معادلة لوسيرن لإيران اليوم، بقدر ما تخشى ما تسمح لها بأن تصبحه غداً.”

الخلاصة والتوجه الميداني:

أمام هذه القراءة، صاغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوضوح العقيدة الإسرائيلية المضادة: “إسرائيل ليست طرفاً في تفاهمات سويسرا ولن تكبل يديها بحبر لم توقعه”. بناءً على ذلك، يتجه المنظور الإسرائيلي نحو تفعيل “استراتيجية العمل الأحادي والمستقل”. ستحتفظ تل أبيب بحقها الكامل في مواصلة ضرب خطوط الإمداد الإيرانية في سوريا ولبنان، بل قد تتعمد تنفيذ ضربات استباقية نوعية لإفشال المقاربة الأمريكية البراغماتية، مستندة إلى شبكة حلفائها القوية داخل الكونغرس الأمريكي لفرملة أي مسعى لتمديد المعادلة، ومقايضة صمتها الميداني بضمانات أمريكية صارمة تمنع إيران من تجاوز الخطوط الحمراء في التخصيب النووي.

وفي المحصلة، لا تنظر إسرائيل إلى “معادلة لوسيرن” باعتبارها مشروع سلام، بل باعتبارها مشروع إدارة مؤقتة للأزمة. فبينما ترى واشنطن في هدنة النفط فرصة لتجميد الصراع، ترى تل أبيب أنها قد تتحول إلى مظلة تمنح خصومها الوقت والموارد لإعادة بناء القوة. ومن هنا فإن الصدام الحقيقي لا يدور حول القمح أو النفط أو حتى مضيق هرمز، بل حول سؤال أكثر عمقاً: هل ما تزال أولويات الأمن الأمريكي والأمن الإسرائيلي متطابقة كما كانت في العقود الماضية؟.

“ما تراه واشنطن هدنةً مؤقتة… تراه تل أبيب تأجيلاً للمواجهة.”

اترك رد