منبر العراق الحر :
يسكن الموتى في القبور، وتُحفَظ الأموال في البنوك. لكن معادلة الفساد السياسي في العراق قلبت هذه الحقيقة رأسًا على عقب، فالمليارات المسروقة دُفنت في القبور، بينما تُركت البنوك خاوية.
قبورٌ في المزارع، وتحت أحواض السباحة، وفي التنانير، ومجاري المياه، وسقوف المنازل، وحتى داخل أجهزة التكييف! مقابر لا تضم رفاتًا، بل مليارات حيّة، تُستخرج تباعًا، شاهدةً على موت الضمير، وانهيار الشرف، لدى من آثروا سرقة المال العام وتحويله إلى ثروة شخصية.
ومن المفارقات أن أبرز ما كشفته حكومة السوداني، رغم ما يحيط بها من اتهامات بالفساد، هو “السجل الذهبي” لفساد قطاعي النفط والكهرباء.
لقد احتضنت هذه المنظومة جوقة من اللصوص، وخونة الأمانة، والمنافقين، والفاشلين، والفاسدين. ومع ذلك، فإن معظم من أُلقي القبض عليهم أبدوا استعدادًا لافتًا للإدلاء باعترافات مفصلة، كشفت أساليب النهب، وأسماء المتورطين، وحجم الشبكات التي تقاسمت المال العام. وكما حدث مع عدنان الجميلي، الذي لم يترك اسمًا ولا واقعة إلا وتحدث عنها، ولا نعلم حتى الآن حجم ما اعترف به الآخرون، وكيف أخذت المليارات تخرج تباعًا من مقابرها التي أخفاها فيها “دفّانو” الثروة العراقية.
إن ما كشفه هؤلاء، وهم من صغار المسؤولين نسبيًا، يكشف حجم الجشع والانحطاط الأخلاقي الذي استشرى في مؤسسات الدولة، لدى أشخاص كانوا مؤتمنين على المال العام، وكذلك لدى نواب أقسموا اليمين ثم حنثوا بها.
أي سرطانٍ أصاب هذا البلد؟ وأي لعنةٍ حلّت به؟ إذا كان هذا حال من يُفترض أنهم خيرة المسؤولين، فكيف يكون حال من هم دونهم؟
وكان بعض الإعلاميين والمحللين السياسيين، ممن يُتهمون بتقاضي رواتب شهرية ثابتة من مكتب السوداني، يطالبون له بولاية ثانية، ويغرقون في تمجيد حكومته. فليتخيل العراقيون ماذا كان سيكون مصير البلاد لو مُنحت هذه الحكومة دورة أخرى!
ولا يختلف المشهد كثيرًا عن الولاية الثانية لحكومة المالكي، التي قادت البلاد إلى الفوضى، والصراعات، وصفقات الفساد، وشراء الذمم، وتفكك المؤسسة الأمنية، ومع ذلك كان السعي قائمًا للحصول على ولاية ثالثة، حتى انتهى الأمر بسقوط ثلاث محافظات بيد تنظيم داعش.
مع المالكي سقط العراق عسكريًا، ومع السوداني سقط ماليًا، وفي الحالتين، كان الفساد هو الحاضنة المشتركة، ترعاه الأحزاب الحاكمة، وتستثمر فيه شبكات النفوذ والعوائل السياسية.
لقد أنهت رسالة السيد السيستاني عام 2014 حلم المالكي بولاية ثالثة، كما أن تغريدة الرئيس ترامب أنهت، وفق ما يراه كثيرون، طموح السوداني وزعماء الإطار في استمرار حكومة تدور في فلكهم.
ويبقى العراق، رغم كل هذا الخراب، محتفظًا بأسباب قوته، وبقدرته على صناعة المستحيل. فمهما ادلهمّت غيوم الفساد، والتبعية، وقوى الظلام، يبقى الأمل معقودًا على شعبٍ قادرٍ على استعادة دولته، وصون ثروته، وإحياء ضميره الوطني!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر