منبر العراق الحر :لا يقاس الفساد بحجم الأموال المنهوبة وحدها، بل بمدى قدرته على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، فعندما يتحول الى قاعدة لإدارةالسلطة وتوزيع الموارد، يغدو اكثر من مجرد جريمة مالية، اذ يصبح نظاما موازيا ينتج الولاءات، ويعيد ترتيب مراكز القوة، ويقوض فكرة الدولة نفسها، ومن هذه الزاوية، تبدو معركة مكافحة الفساد في العراق اختبارا لبنية الدولة قبل ان تكون اختبارا لاي حكومة تتولى السلطة، ولذلك فان اي حكومة تعلن الحرب على الفساد لا تختبر في قدرتها على اصدار الاوامر أو تنفيذ حملات الاعتقال فحسب، وانما في مدى استعدادها لمواجهة شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية التي تراكمت عبر سنوات، وتغذت على ضعف المؤسسات وتراجع سيادة القانون.
لم يكن الفساد في العراق يوما مجرد خلل إداري يمكن معالجته بقرارات سريعة أو حملات اعلامية عابرة، بل تحول الى احد اكثر مظاهر الأزمة السياسية عمقا وتعقيدا، وهو ما تعكسه المكانة المتاخرة التي يحتلها العراق باستمرار في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فهذا الواقع لا يعبر عن انتشار الرشوة أو الاختلاس فقط، بل يكشف عن أزمة بنيوية مستمرة في منظومة الحكم، حيث تداخلت السياسة بالاقتصاد، وضعفت الحدود الفاصلة بين المصلحة العامة والمصالح الحزبية، واصبحت مؤسسات الدولة في كثير من الاحيان جزءا من منظومة توزيع النفوذ بدلا من ان تكون أداة لإدارة الشأن العام.
في هذا السياق، تجد حكومة علي الزيدي نفسها امام اختبار مبكر وصعب، فالمطلوب منها ليس تقديم خطاب جديد حول مكافحة الفساد، وانما اثبات قدرتها على تحويل هذا الشعار الى سياسة مؤسسية مستدامة، ولا تختلف هذه الحكومة، من حيث المبدأ، عن الحكومات التي سبقتها في كونها تعمل داخل البنية السياسية نفسها، ولذلك فان معيار نجاحها لن يكون في اعلان الحرب على الفساد، بل في قدرتها على تغيير قواعد اللعبة التي سمحت له بالترسخ، وقد شهد العراق خلال العقدين الماضيين عشرات المبادرات التي رفعت شعارات الإصلاح، غير انها اصطدمت سريعا بالتوازنات السياسية أو انتهت الى تسويات افرغتها من مضمونها، الامر الذي جعل الراي العام اكثر حذرا في التعامل مع اي اعلان حكومي جديد.
لم يعد الفساد في العراق قضية مالية أو إدارية فحسب، بل اصبح جزءا من بنية الحكم واليات إعادة انتاج السلطة، فقد تحولت بعض المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المنافذ الحدودية والعقود الاستثمارية والمشروعات الحكومية الكبرى، الى ساحات تتداخل فيها المصالح الحزبية مع المصالح الاقتصادية، وبرزت ما يعرف بـ”الهيئات الاقتصادية” التابعة لبعض القوى السياسية بوصفها احد ابرز مظاهر هذا التداخل، ونتيجة لذلك، لم يعد المال العام يدار دائما وفق اعتبارات الكفاءة والمصلحة الوطنية، بل اصبح في بعض الحالات جزءا من منظومة تبادل الولاءات السياسية وتعزيز النفوذ واستغلال المناصب الحكومية.
لا تنشا هذه البنية من فراغ، بل تتغذى على ما يمكن تسميته بـ -اقتصاد المحاصصة- ، حيث تتحول المناصب العامة الى موارد سياسية، وتصبح مؤسسات الدولة أدوات لادامة شبكات النفوذ بدلا من ان تكون مؤسسات محايدة تخضع للقانون، ولا يقتصر اثر اقتصاد المحاصصة على توزيع المناصب، بل يمتد الى إعادة تشكيل الحوافز داخل الجهاز الإداري، بحيث يصبح الحفاظ على الولاء السياسي اكثر اهمية من الكفاءة المهنية، وهو ما يؤدي تدريجيا الى اضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على اداء وظائفها الاساسية، وعند هذه المرحلة، لا يعود الفساد انحرافا عن النظام، بل يصبح جزءا من الية عمله، وهو ما يجعل مكافحته تتطلب إعادة بناء قواعد إدارةالدولة نفسها، لا مجرد ملاحقة بعض الافراد مهما كانت مواقعهم.
تكتسب هذه المعركة اليوم اهمية مضاعفة لان المواطن العراقي لم يعد يمنح الوعود الحكومية الثقة التي كانت تحظى بها في السابق، فبعد سنوات طويلة من تراجع الخدمات، والاضطراب الإداري، وهدر المال العام، وتقديرات تتحدث عن ضياع وتهريب مئات المليارات من الدولارات منذ عام 2003، لم يعد المجتمع يبحث عن خطابات جديدة، وانما عن نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية، بدءا من نزاهة التعيينات، ومرورا بتطوير اجهزة الرقابة، وانتهاء باسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين بغض النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم السياسية.
وقد بدأت الحكومة بالفعل حملة وصفت بانها من اوسع الحملات خلال السنوات الاخيرة، شملت اعتقالات طالت مسؤولين وسياسيين، وعمليات تفتيش ومصادرة مرتبطة بملفات فساد كبيرة، فضلا عن الاعلان عن استرداد وضبط أموال واصول عقارية بمئات ملايين الدولارات في بعض القضايا النوعية، وتمثل هذه الاجراءات مؤشرا على انتقال ملف الفساد من دائرة الاتهامات السياسية والاعلامية الى دائرة المواجهة القضائية والامنية، الا ان قيمة هذه الخطوات لا تقاس بحجم الضجة التي تثيرها، بل بقدرتها على الاستمرار بعيدا عن الانتقائية والمساومات الحزبية والعشائرية، وان تتحول الى سياسة دولة لا الى حملة ظرفية ترتبط بميزان القوى أو الظرف السياسي.
غير ان التحدي الحقيقي لا يكمن في بدء الحملة، بل في قدرتها على الصمود امام الضغوط، فقد اثبتت التجربة العراقية ان كثيرا من مشاريع الإصلاح تتراجع كلما اقتربت من مراكز النفوذ العميق، فالفساد في صورته العراقية ليس سلسلة من الافعال الفردية المعزولة، وانما شبكة مصالح متشابكة تمتد داخل المؤسسات وخارجها، وتحتمي احيانا بغطاءات سياسية، أو عشائرية، أو مذهبية، أو قومية، أو امنية، أو اقتصادية.
وتكمن خطورة الفساد البنيوي في انه يمتلك قدرة عالية على إعادة انتاج نفسه، فحتى عندما تسقط بعض شبكاته أو يحاسب بعض افراده، تنشا شبكات جديدة ما دامت البيئة السياسية والإدارية والقانونية التي انتجته لم تتغير، ولذلك فان نجاح اي حملة لا يقاس بعدد الموقوفين أو حجم الأموال المستردة، بل بقدرتها على تغيير قواعد انتاج الفساد نفسها، عبر إصلاح الإدارةالعامة، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية اجهزة الرقابة، والانتقال الى الاتمتة الرقمية التي تحد من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتغلق كثيرا من منافذ الرشوة والتلاعب.
كما ترتبط هذه المعركة ارتباطا وثيقا بسؤال السيادة الوطنية، وبقدرة العراق على حماية نظامه المالي والائتماني امام القيود الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الانشطة غير المشروعة، فالدولة التي لا تحتكر أدوات القوة، ولا تفرض القانون على الجميع بمعيار واحد، ستظل عاجزة عن القضاء على الفساد مهما رفعت من شعارات الإصلاح، ولذلك فان إستعادة هيبة الدولة تبدأ من إستعادة قدرتها على المحاسبة دون إستثناء، وعلى فرض القانون دون انتقائية، وعلى حماية مؤسساتها من التداخلات السياسية التي اضعفتها طويلا.
لهذا فان حكومة علي الزيدي مطالبة باثبات ان الحرب على الفساد ليست وسيلة لتعزيز الحضور السياسي أو تحسين الصورة العامة، بل مشروع إصلاح مؤسسي طويل الامد، فالعراقيون لا يحتاجون الى المزيد من الوعود، بل الى مؤسسات قوية وشفافة، والى قضاء مستقل لا يخضع للمساومات، والى إرادة سياسية تنظر الى المال العام بوصفه مسؤولية وطنية لا غنيمة سياسية، واذا استطاعت الحكومة الانتقال من التدابير التكتيكية المؤقتة الى مأسسة النزاهة وتجفيف منابع الفساد التاريخية، فانها ستفتح بابا حقيقيا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي المحصلة، لا تختبر حكومة علي الزيدي وحدها اليوم، بل تختبر الدولة العراقية نفسها في قدرتها على إستعادة فاعليتها وشرعيتها، فالمعركة الحقيقية ليست ضد افراد فاسدين فقط، وانما ضد البيئة السياسية والإدارية التي تسمح للفساد بان يعيد انتاج نفسه في كل مرحلة باسماء جديدة ووجوه مختلفة، ولا يتعلق مستقبل العراق بعدد ملفات الفساد التي تفتح أو حجم الأموال التي تسترد، بقدر ما يتعلق بقدرته على الانتقال من إدارة الازمات الى بناء المؤسسات، فاذا نجحت الدولة في تحويل النزاهة الى قاعدة للحكم لا الى شعار ظرفي، فانها لن تستعيد المال العام فحسب، بل ستستعيد ثقة المجتمع، وتعزز شرعية مؤسساتها، وترسخ مبدأ سيادة القانون بوصفه المرجعية العليا في إدارة الشأن العام، ومن شأن نجاح اي تجربة عراقية جادة في مأسسة النزاهة ان تخلق معيارا وطنيا جديدا للإدارةالرشيدة، بما يدفع مختلف المؤسسات والسلطات، بما فيها حكومات اقليم كوردستان العراق، الى تطوير منظوماتها الرقابية وتعزيز الشفافية، وصولا الى بناء فضاء إداري ومالي اكثر إنسجاما على مستوى الدولة العراقية باكملها، وعندئذ فقط يمكن ان تتحول مكافحة الفساد من حملة حكومية مؤقتة الى ثقافة مؤسسية دائمة، تشكل الاساس الحقيقي لبناء دولة حديثة قادرة على تحقيق التنمية والاستقرار وصيانة المال العام.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر