الجزائر نبض التاريخ. ورهان المستقبل…هانم داود

منبر العراق الحر :

في الخامس من يوليو/تموز، لا تكتفي عقارب الساعة بأن تشير إلى تاريخٍ عابر، بل تدق أجراس الذاكرة لتستحضرَ ملحمةً لم تنته فصولها باسترجاع السيادة في عام 1962. إنه يوم الاستقلال،
لكنه في جوهرهِ أبعد من كونه احتفاءً بذكرى؛
إنه بوصلة الأمة التي تُعيد توجيه المسار، وتربط ماضيَ التضحيات بحاضرِ الإنجازاتِ، وتستشرف ملامحَ المستقبل.

ميثاق الذاكرة حين يزهر الدم حرية:::::::
خلفَ هذا اليوم، تقف مائة واثنان وثلاثون عاماً من صراعِ الإرادةِ ضد المحال. إنَّ التاريخ لا يُكتب بالحبر فحسب، بل بدموع الأمهات، وصمودِ المناضلين،
وبطولات أسطورية كقصة جميلة بوحيرد ورفاق دربها، الذين
حولوا زوايا “القصبة” إلى قلاعٍ للحصانة.
لم تكن ثورة نوفمبر مجرد انفجارٍ غاضب، بل كانت يقظةً وجودية أعادت للجزائريين حقهم في الحياة،
ليتوج هذا المسار باستفتاء شعبيٍ كان صرخة مدويةً في وجهِ الاستعمار.

اليوم، ونحن نستحضر تلك التضحيات، ندرك أن الاستقلال لم يكن نقطة وصول، بل كان نقطة انطلاق لبناء صرحِ الدولة الجزائرية الحديثة.

جدلية التنمية ميزان الحاضر:::::
بين عامي 1962 و2026، شهدت الجزائر تحولاتٍ جيولوجية في بنيتها التنموية والاجتماعية. لقد استطاعت الدولة، عبر عقودٍ من الجهد، أن تضعَ حجرَ الأساس لمجتمعٍ متعلمٍ وصحيٍ؛
إذ تفتح المدارس والجامعات أبوابها للملايين، وتتوسع شبكات الرعاية والخدمات، وتنشأُ المؤسسات الناشئة والمشاريع الفلاحية والصناعية لتطوي مسافات التفاوت.

ولكن، هل يكفي هذا؟ إن ذكرى الاستقلال تفرض علينا وقفة مصارحة لا مجاملة؛ فالمسيرة التي بلغت منتهاها في التحرير، لا تزال تتطلبُ نفساً طويلاً في مضمار التنمية المستدامة.
إن التحديات الاقتصادية، ورهانات التوظيف، والحاجة إلى مراجعات مؤسساتية جريئة، هي اليوم معاركنا الجديدة التي تتطلب نفس الروحِ التي طردت الاستعمار: روح المبادرة والشجاعة السياسية.

عقد اجتماعي جديد هندسة الغد:::::
إن الجزائر اليوم تختلف في ديموغرافيتها وطموحاتها عن جزائر الأمس.
ومع توقعاتٍ بأن يتجاوز عدد السكان الـ 61 مليوناً بحلول عام 2050،يصبح لزاماً علينا الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. كيف؟
بالحوار الشامل الذي يذيب الجليد بين الحاكم والمحكوم، ويعزز الثقة المتبادلة.
بالإصلاح المؤسساتي: الذي يجعل من المؤسسات أدواتٍ للتمكين لا للتقييد.
بتمكين الأجيال الجديدة: الذين لا يحملون في ذاكرتهم نيران الاستعمار، بل يحملون في عقولهم تطلعاتِ العصر الرقمي، والابتكار، والمواطنة العالمية.

إن إحياء ذكرى الاستقلال ليس طقساً سنوياً نكرره، بل هو دعوةٌ متجددة لتعميق الوعي الوطني. إنه اليوم الذي نُعاهد فيه شهداءنا الأبرار،
ونلتزم فيه أمام أجيالنا القادمة، بأن استقلالنا لن يظل مجرد حقيقة سياسية جامدة، بل سينبض حيويةً وعدالةً وتقدماً.
لقد ورثنا عن الآباء والأجداد وطناً حراً، ومسؤوليتنا اليوم هي أن نُسلّم لأبنائنا وطناً مزدهراً، عادلاً، وقادراً على المنافسة في خريطةِ عالمٍ يتشكل من جديد.
فالاستقلال فعل لا يكتمل، بل هو مسيرة دائمة، ومسؤولية متجددة، وأمانة في أعناقِ كل جزائري.

تحية لشهداء الجزائر، وفخراً بتاريخها، وتطلعاً لغدٍ يرسمه طموح أبنائها.
هانم داود

 

اترك رد