منبر العراق الحر :
في عالمٍ يعجّ بالمجاملات، تُرفع الرايات البيضاء في كل حديث، وتُوزَّع كلمات المديح المجاني كما تُوزَّع الحلوى في الأعياد. لكن من قال إن كل حلوى نافعة؟ ومن قال إن كل ابتسامة صادقة؟ فالمجاملة ليست دائمًا لغة لطف، بل قد تكون سكينًا مغلَّفة بالحرير، تذبح الحقيقة وتغتال الإبداع في وضح النهار.
المجاملة المفرطة ليست مجرد تهرّب من المواجهة، بل هي أيضًا آلية دفاعية يتبنّاها مجتمع يخشى النقد ويهاب التغيير. وفي ظل هذا الخوف، تُكبت الأفكار الجريئة، وتُوأد المشاريع الطموحة، ويُقصى كل من يحاول خرق المألوف أو تحدّي السائد. وهكذا نصبح أسرى لذوق الجماعة، ورهائن لما “يروق للآخرين”. فنكتب كما يشاؤون، ونرسم كما يتوقعون، ونفكر كما يرغبون، لا كما نشعر ونؤمن ونحلم.
الإبداع لا يولد في حضن الراحة، بل في رحم الشك والمواجهة والصدق القاسي. فعندما نقول للمبدع: “أحسنت”، وهو لم يُحسن بعد، نخدعه مرتين؛ مرة حين نوهمه بأنه بلغ القمة، ومرة حين نحجبه عن فرصة التطور. نحن لا نقدم له الدعم، بل نهديه الوهم. والمبدع لا يحتاج إلى مرآة تعكس له ما يحب أن يراه، بل إلى مرآة تكشف له ما يجهله عن نفسه.
ولا يعني ذلك أن نتخلى عن التشجيع أو المساندة النفسية، بل أن نعيد تعريفهما. فالتشجيع الحقيقي لا يقوم على المجاملات السطحية، وإنما على النقد الصادق البنّاء، الذي يثمّن مواطن القوة، ولا يتردد في الإشارة إلى مواطن الضعف. فالنقد، في جوهره، هو أحد أرقى أشكال الاحترام؛ لأنه يعترف بقدرة الإنسان على التعلم والنمو، بدل أن يختزله في كلمات الإطراء.
وعلى الصعيد النفسي، تعلّمنا المجاملات المفرطة ألا نثق بحدسنا، وأن نشكك في مشاعرنا، لأن المحيط يروّج للرضا المصطنع بدلًا من الاعتراف بالاستياء المشروع. ومع مرور الوقت، نبدأ بخيانة أنفسنا. نكتب ما لا نريد، ونرسم ما لا نشعر به، ونعيش حياة فنية مصطنعة لا تمت إلى نبض الروح بصلة. عندها يتحول الإبداع إلى طقس اجتماعي أجوف، ونفقد أكثر ما فينا صدقًا.
أليس من المأساة أن تموت القصائد في أفواه الشعراء لأن أحدهم أقنعهم بأن كل ما يكتبونه “جميل جدًا”؟
أليس من القسوة أن نخدع رسامًا شابًا خشية أن نجرح مشاعره، فنغلق أمامه الطريق إلى العظمة؟
أليست المجاملة في غير موضعها نوعًا من الخيانة الصامتة؟ خيانة للموهبة، وللحقيقة، وللحياة ذاتها؟
فلنكن أكثر صدقًا.
ولنعِد الاعتبار للكلمة الصريحة، والرأي الحر، والنقد البنّاء، والتعبير الجريء. ولندرك أن الإبداع لا يحتاج إلى التهليل، بل إلى الحوار؛ ولا يحتاج إلى التصفيق، بل إلى التحدي.
ففي النهاية، لا يولد الضوء من المدائح، بل من الصراع.
ولا تنمو الأجنحة بالتصفيق، بل بالسقوط… ثم بالنهوض
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر