منبر العراق الحر :
حين تمر الدول بمراحل انتقالية عميقة، فإنها لا تختبر تغيير النخب السياسية فحسب، بل إعادة بناء الشرعية بترسيخ سلطة المؤسسات بدلًا من سلطة الأشخاص. غير أن هذه المراحل كثيرًا ما تفضي إلى أسطرة القيادة، فتُمنح الزعامة مكانة تتجاوز الإطار الدستوري، وتستمد مشروعيتها من الثقة بشخص القائد أكثر من الشرعية القانونية والمؤسسية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة التجربة العراقية بعد عام 2003؛ إذ لم يكن “التغيير” انتقالًا دستوريًا فحسب، بل إعادة تشكيل للسلطة في ظل فراغ مؤسسي، حتى غدت الزعامة السياسية أكثر قدرة على إنتاج الشرعية من المؤسسة نفسها.
أفرزت البيئة السياسية العراقية منذ عام 2003 شروطًا مواتية لهذا التحول؛ إذ أشارت وول ستريت جورنال إلى أن النظام السياسي اتسم بـ”السيولة التمثيلية”، حيث ارتبط الولاء بالأشخاص أكثر من البرامج، فيما ذكرت وكالة الأسوشيتد برس أن كثيرًا من الاستحقاقات الدستورية كانت تُحسم عبر تفاهمات بين زعامات الكتل أكثر من الآليات المؤسسية، فتحولت المؤسسة تدريجيًا من منتج للقرار إلى إطار يمنح الشرعية لتفاهمات تُصاغ خارجها. وأسهمت في ترسيخ هذا النمط ثلاثة عوامل متداخلة تناولتها أدبيات العلوم السياسية، هي الخوف والتشظي والاقتصاد الريعي؛ فالتهديدات الأمنية رفعت الطلب على “الزعيم الحاسم”، والانقسام السياسي عزز الحاجة إلى “الوسيط القوي”، فيما وفر الاقتصاد الريعي شبكات ولاء شخصية. وفي هذا السياق، ذكرت وكالة الأسوشيتد برس أن أزمة التعرفة الجمركية في شباط/فبراير 2026 كشفت استمرار ارتباط الثقة بالجهة السياسية التي تتبنى القرار أكثر من ارتباطها بالأسس الفنية التي يقوم عليها، رغم اعتماد العراق على النفط في نحو 90% من إيراداته العامة وتجاوز ديونه 90 تريليون دينار.
وتجلت نتائج هذا التحول بوضوح خلال أزمة الانسداد السياسي التي أعقبت انتخابات 10 تشرين الأول/أكتوبر 2021؛ فبحسب مجلس العموم البريطاني، استمر الفراغ قرابة عام حتى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، بينما أفادت وكالة الأسوشيتد برس بإخفاق مجلس النواب مرتين في انتخاب رئيس الجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب، بما عكس قابلية المؤسسة للتعطيل كلما تعارضت مع حسابات الزعامات، لتصبح التوافقات السياسية شرطًا سابقًا على تفعيل النصوص الدستورية.
وامتد هذا المنطق إلى الملفات السيادية؛ إذ نقلت رويترز ووكالة الأسوشيتد برس تفاصيل استلام العراق دفعات من معتقلي تنظيم داعش خلال عام 2026، غير أن النقاش العام انصرف إلى تقييم مواقف القيادات السياسية أكثر من تقييم جاهزية المؤسسات الأمنية والقضائية لإدارة الملف، بما يعكس استمرار شخصنة القرار العام.
وفي السياق نفسه، ذكر صندوق النقد الدولي أن ضعف الحوكمة واستمرار محدودية المساءلة، ولا سيما تجاه أصحاب النفوذ، ما يزالان من أبرز معوقات بناء الدولة في العراق، فيما أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن استرداد الأموال العامة لا ينفصل عن ترسيخ المساءلة وتعزيز الثقة بالمؤسسات. ومن ثم تمثل حملة «صولة الفجر» اختبارًا لقدرة الدولة على الانتقال من ملاحقة المخالفات إلى إخضاع مراكز النفوذ السياسي ذاتها لمنطق القانون؛ إذ إن بقاء الزعامات بمنأى عن المساءلة لا يعكس قصورًا إجرائيًا فحسب، بل الامتداد الطبيعي لأسطرة القيادة التي تجعل شرعية النفوذ تتقدم على سيادة المؤسسة.
إن أخطر ما تنتجه أسطرة القيادة ليس تضخم حضور الزعيم، بل تآكل الذاكرة المؤسسية للدولة؛ فعندما يصبح السؤال: “من يملك القدرة على تجاوز القواعد؟” بدلًا من “ماذا تسمح به القواعد؟”، تغدو المؤسسات أطرًا شكلية تمنح الشرعية لتوازنات النفوذ أكثر من كونها مرجعًا لإنتاجها. ويبقى السؤال الجوهري: هل ينجح العراق في نقل الشرعية من وهج القيادة إلى انتظام المؤسسة، أم ستظل الدولة تعيد إنتاج الزعامة بوصفها البديل الدائم عن اكتمالها؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر