منبر العراق الحر :
تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا ، وحواراتنا ، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها ، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع ، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها .
و بمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا و بمكانتنا ، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزىء بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين ، ويُعبّر عن ضحالته و حالته المتردّية
و لكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط ، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة و واسعة .
ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي ، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم ، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان ، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة .
و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية ، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي ، وتدنّى مستوى التعبير و توضّحت ضآلته .
وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي ، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ ، ولا تحكمها قواعد لغوية ، أو نحوية أو صرفية و إملائية . والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً .
و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة ، أو الأفعال المعتلّة ، أو التنوين ، أو الشدّة ، أو جمع المذكر السالم ، أو الأفعال الخمسة ، أو الأسماء الستة ، أو الفعل المعتلّ . أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا .
كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها و في وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام ، عمليات السطو الأدبي ، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو ، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي و بالأسماء .
ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية ، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع ، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة ، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات :
” رائع ، قمة الإبداع ، الله… روعة ، بوحٌ رائع ، يسلم اليراع ، قلمكم نقش حرير المعاني ” . و ما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي ، وخذلان لنقاء اللغة ، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته .
كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي ، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير .
كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها ” فرانكو ” ، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها . تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم ، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.
بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي ، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع .
وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها ، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً ، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة .
وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية ، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف ، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة .
و إذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع ، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية ، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم ، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية ، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل .
أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع ، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة ، أي مع النحو والصرف ، و بإسلوب أعلى لغوياً ، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة ، وتلج بسلاسة قلب المتلقي ، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب .
نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك ، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية ، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام .
As Asfari
2:29 ص (قبل 9 ساعات)
أنا
عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع .
د.أنور ساطع أصفري .
سرتُ تائهاً في أزقّةٍ ولهى ، تحنّ لبسمةٍ ، لوردةٍ جوريةٍ وهمسةً حب ، تخيّلتُ أمامي الأرض بمعطياتها ومطبّاتها ، وتراءت لي كمستنقعٍ بالجراحِ التي تحملها .
فكرةٌ حرةٌ أنا ، لزمنٍ مثقوب الرؤى ، لزمنٍ يتآكل كالمقالات في الجرائد ، ومثل بابٍ يُصدر أزيزاً قاسياً ومؤلماً أحياناً ، أحمل في قلبي وردة ، ويسكن روحي طير صغير ، أنا الأبجدية الهشّة التي لا وزن لها ولا قافية ، أنا اللوحة التي لا تزال في منتصف الطريق ، أنا البوصلة الشقيّة التي تاهت بين الشمال والجنوب .
الرحمة لنفوسٍ شوّهتها السياط ، أبحثُ عني ، فلا أجدني ، لقد هرست الأقدام عشرات السنين مجبولة بالأحلام .
فرشتُ درب القمر بالوردِ والنعناع ، بالزعتر البري والحبق والريحان ، فأزهر العشقُ كمواسم الزيتون وبيّارات الليمون .
ركضتُ وراء سرابً هش ، كاد أن يوصلني إلى ماهيّة الحياة عند البشر ، أو عند مخلوقات أخرى ، إبتسمتُ بسخريةٍ جادة ، فتراءى أمامي مستنقع مليٌ بالحياة وبالحركة رغم ركوده ، على الأقل هكذا يقول علماء البراكين والأحياء .
عدت إلى غرفتي اليتيمة ، جلستُ ، وضعتُ رأسي بين كفّي ، وأنا أُحاول أن أتحقق ممّا يدور في خلدي ، فالفقراء لهم نصيبٌ من الشمس والهواء ، من الرمال ، من الليل والغزل الخجول وأمواج البحر ، لهم نصيب من الأغنيات والإيقاع والفرح الذي قد يكون عابراً ، لهم نصيبٌ من الأبجدية والكلمة ، كما لهم نصيبٌ من الرصاص والموت المجاني الذي لا يشاركهم فيه أحد . شهقتُ ، تلعثمت كلماتي ، ذهبتُ بعيداً ، أيقنت أن المستنقعات هي بلاد الضفادع والبعوض والديدان والعصافير المتصيدة ، والجراثيم والبكتيريا ، إضافة إلى الأعشاب الشوكية المتسلّقة التي تسوّر هذا الوطن المستنقع العجيب .
فما يحدث هنا ، تماماً كما يحدث هناك ، فالأفاعي تتلذّذ بالتهام الضفادع ، وكلما وقع ضفدع صريعاً بين أنياب إحدى الأفاعي ، ترفع الضفادع صوتها لتخيف الأفاعي التي لا تسمع . وهكذا تستمر الأفاعي في التهام الضفادع ، بينما تُمارس الضفادع حقّها في الاحتجاج والنقيق ، وكأنها تطلب من كل أحياء المعمورة أن يضعوا حداً لهذه التعديات ، وأن يُلزموا الأفاعي باحترام حقوق المخلوقات بالعيش بسلامٍ وأمان .
ضحكتُ لأفكاري الإنسيابية ، هممتُ أن أغوص في العمق أكثر إلاّ أن صديقتي السمراء فاجأتني قائلة :
لعلكَ تأتي وأُقفل باب الرحيل .
نظرتُ إلى أعماق عينيها عبر مرآةٍ حزينةٍ ، فتحتُ نافذةً نحو ذاكرةٍ لا تُغلق ولا تصدأ ، تمتمتُ بصخبٍ :
لم أجد لعشقكِ حلاً ، إلاّ أن أعشقكِ أكثر .
تابعتُ :
هل تعلمي ياصديقتي إن التذوّق صعبٌ بل ومستحيل ، طعمٌ برائحةِ الجريمة ونكهة الكراهية ، وبمذاقِ الجريمة والصدمة ، نعم ، أحنّ إلى رائحةِ الكبريتِ والحطب المحترق ، فهذه الرائحة تُعيدني إلى بيت جدي ، إلى القرية ، تعيدني إلى العز الذي رحل ، بعد أن تشوّه وحمل معه رائحة الموت .
إرتجفتْ ، تغيّرت ملامح وجهها ، انفعلت ، انتفضت قائلةً :
عن ماذا تتحدث ؟ .
قلت :
لا ، لن يغتالني الصمت ، أرتدي حروف الأبجدية ، أُثني أطرافها الفضفاضة على كل جوانبي ومسامات جسدي ، وأتحدّث عن ما يحدث ، ولأنني كذلك إبتعدوا عني ، وأصبحتُ شبيهٍ بداءٍ معدٍ ، وعندما كنتُ أتابع المسير ، أشعر بأنني أشبه بمن يقود دراجة صدئة صريرها ينخرُ في الرأس والجسد .
انتابها الإنفعال أكثر ، كادت تصرخ ، أشارت بيدها ، ومن ثُمّ قالت :
أرجوك ، لا تراوغ معي ، هل أنت بخير ؟ ، عن ماذا تتحدث ؟ .
قلت :
ثقي يا صديقتي ، إن قلبي هو وطنٌ لصديق ، وأنتِ وطني ، طيلة هذا اليوم كنت أتحدث مع نفسي عن وطن المستنقعات ، والضفادع والأفاعي ، والبعوض والأعشاب المتسلقة .
صارحتها بأفكاري ، شرحت لها كل ما يدور في خلدي ، وما أحاول الوصول إليه .
ابتسمت إبتسامةً صاخبة ، ضحكت ، رقصت تعابير وجهها ، فاجأتني قائلةً وهي تتحسس صدرها :
ما ينتابك من مشاعر قلقة ، تنتابني أيضاً ، وثق إن هذه الضفادع شئنا أم أبينا هي تماماً كأجهزة إعلامٍ ناطقةٍ باسم مجتمع المستنقع ، ومن خلال صراخها تروي واقعها وتاريخ مستنقعها ، وكأن لسان حالها يقول :
إن مستنقعنا مليءٌ بالمياه الآسنة ، محكومٌ بأسرابِ البعوضِ الذي يمتصّ دماء مواطني المستنقع ، وبالأعشاب اللزجةِ المتسلّقة .
استدارت ، تراجعت ، تمتمت بكلماتٍ مبهمة ، إبتسمت ، ترددت ومن ثُمّ قالت :
لا ، لن يذيبوا شمعة الأمل من عيني ، ولن أدعهم ينامون على صدري كهمٍ ثقيل ، فالحياة وحدها تستحق طقوس مخاضٍ لولادةٍ جديدة ، لذا سأنسج من حنيني فرحاً جديداً ، ولن أمتطي قلقي بعد اليوم ، تأكّد يا صديقي أن المستنقع معرضٌ لفوراتٍ بركانية ، حيث تقذف حممها بعيداً ، كي تشيد الجبال والتلال والوديان ، وتعطي للّأرضِ خصوبتها ، وللطبيعةِ جمالها ورونقها ، وعندما يثور بركانٌ ما ، فإنه سيعيد كتابة التاريخ بشكلٍ آخر .
ضحكتْ ، التفتت إليّ بعيونٍ زائغةٍ لا هدف لها .
تمدد الوجع على خاصرتي ، ومن أعماقِ الصدر تدلّى حزنٌ أحمق ، داهمني صوت فيروز المُعتّقِ بعبقِ الياسمين ، مع ترابٍ أحمر ، ومع الزيتون والزعتر البري والزنبق ، كلهم في قلبي ، مثل التوحيد والكوثر .
إفتعلت حركةً مضحكةً بيدها ، تلاها ضحك هستيري من أعماق قلبها حتى علا صوتها بايقاعٍِ صاخبٍ مبعثر ، وفجأةً صمتتْ بشكلٍ عشوائي وقالت :
كي لا يفقد الطير صوابه ، هل تعرف ماذا تقول الضفادع في سرّها عندما تكفُّ عن النقيقِ وتصمت ؟ .
قلتُ دون تردد : لا .
ابتسمت إبتسامةً مفتعلة ، وقالت :
تدعو ربها أن لا يثور البركان من جديد .
في الخميس، 9 يوليو 2026 في 10:36 ص تمت كتابة ما يلي بواسطة As Asfari <asasfari@gmail.com>:
منبر العراق الحر منبر العراق الحر