من معركة الإنجازات إلى معركة تفكيك اقتصاد الفساد: مسرور بارزاني أمام التحدي الأكبر..مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الشأن السياسي….

ليس من الصعب أن تبني طريقًا أو جسرًا أو محطة كهرباء إذا توفرت الإرادة والموارد. لكن الأصعب بكثير أن تهدم منظومة مصالح عاشت سنوات طويلة على الفوضى، وأن تواجه من اعتادوا أن يكون غياب القانون مصدرًا لنفوذهم وثرواتهم. هنا تبدأ المعركة الحقيقية مع الفساد.
كثيرون يختزلون الفساد في رشوة أو اختلاس أو موظف يستغل منصبه، لكن التجارب الحديثة تؤكد أن الفساد أخطر من ذلك بكثير. إنه يتحول مع الزمن إلى اقتصاد قائم بذاته، يصنع مستفيدين، ويبني شبكات نفوذ، ويقاوم كل محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها. ولذلك، فإن محاربة الفساد لا تبدأ بإسقاط الأشخاص، بل بتجفيف البيئة التي تسمح له بالنمو.
منذ توليه رئاسة حكومة إقليم كوردستان عام 2019، بدا أن مسرور بارزاني اختار هذا الطريق الصعب. فبدل الاكتفاء برفع شعارات الإصلاح، اتجه نحو إعادة تنظيم قطاعات ظلت لسنوات تعاني من التشوهات الإدارية والاقتصادية. لم يكن الهدف فقط تحسين الخدمات، بل بناء إدارة أكثر شفافية، وأسواق أكثر انضباطًا، ومؤسسات يصعب فيها استغلال المال العام أو تحويله إلى مصدر للنفوذ.
ولعل مشروع حسابي كان أحد أبرز ملامح هذا التحول. فلم يكن مجرد وسيلة جديدة لصرف الرواتب، بل خطوة غير مسبوقة على مستوى العراق وإقليم كوردستان لترسيخ الشفافية في إدارة المال العام. فالانتقال إلى النظام المصرفي والرقمي لم يغيّر طريقة استلام الرواتب فحسب، بل ساهم في تضييق الخناق على ظواهر تعدد الرواتب والأسماء الوهمية، ورسّخ مبدأ أن المال العام يجب أن يكون قابلاً للتتبع والتدقيق، لا أن يبقى رهينة الإجراءات التقليدية التي طالما استغلها الفساد.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بدأت الحكومة تتحدث بلغة مختلفة؛ لغة الأرقام. لم يعد الإعلان عن مشروع يقتصر على قص الشريط الأحمر، بل أصبح المواطن يسمع عن كلفته، ومدته الزمنية، ونسبة إنجازه، والجهة المنفذة. قد تبدو هذه التفاصيل إدارية، لكنها في الحقيقة تمثل أحد أهم أسلحة مكافحة الفساد، لأن الشفافية تبدأ عندما تصبح المعلومة حقًا للجميع، لا امتيازًا يحتكره القليل.
أما مشروع روناكي، فلم يكن مجرد مشروع لتحسين خدمة الكهرباء، بل كان ضربة مباشرة لاقتصاد نشأ حول أزمة الكهرباء واستمر سنوات طويلة. فالمولدات الأهلية لم تعد مجرد حل مؤقت، بل أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من منظومة اقتصادية واسعة ترتبط بها مصالح مالية كبيرة. ومع توسع مشروع روناكي وتراجع الاعتماد على المولدات، بدأت تلك المنظومة تفقد تدريجيًا نفوذها، وهو ما جعل المشروع يواجه حملات تشكيك وانتقادات من جهات رأت فيه تهديدًا لمصالحها أكثر مما رأته مشروعًا لتطوير الخدمة.
واليوم، تتجسد المعركة ذاتها في قرار تنظيم أسعار البنزين، وهو قرار قد يبدو للوهلة الأولى اقتصاديًا بحتًا، لكنه في جوهره يتجاوز مسألة تحديد سعر الوقود. فعندما تضع الدولة إطارًا واضحًا للأسعار، فإنها تغلق أبوابًا ظلت مفتوحة لسنوات أمام التفاوت غير المبرر، والاستغلال، وتحقيق أرباح على حساب المواطن.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن يثير القرار ردود فعل متباينة. فتنظيم الأسواق يعني بالضرورة تقليص المساحات التي ازدهرت فيها المصالح الخاصة بعيدًا عن الرقابة. وهذه هي طبيعة الإصلاح في كل مكان؛ فكلما اتسعت سلطة القانون، ضاقت مساحة المستفيدين من الفوضى.
ولو نظرنا إلى حسابي، ثم روناكي، ثم تنظيم أسعار البنزين، لوجدنا أن الرابط بينها واحد. فهي ليست قرارات متفرقة، بل حلقات في رؤية واحدة تهدف إلى نقل الإدارة من العشوائية إلى النظام، ومن الغموض إلى الشفافية، ومن اقتصاد يقوم على النفوذ إلى اقتصاد تحكمه القواعد.
لكن أي إصلاح حقيقي لا يسير في طريق معبّد.
فعلى المستوى السياسي، واجهت حكومة مسرور بارزاني ضغوطًا واعتراضات من بعض القوى والأحزاب التي لم تنظر بعين الرضا إلى خطوات إعادة تنظيم بعض القطاعات، سواء لاختلاف الرؤى أو لتأثر مصالح قائمة. وهذه ليست خصوصية كوردستانية، بل تكاد تكون سمة مشتركة في جميع تجارب الإصلاح، حيث تكون مقاومة التغيير أشد كلما اقترب من مراكز النفوذ.
أما أمنيًا، فقد تعرض إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية لهجمات متكررة استهدفت منشآت وحقول الطاقة في أربيل ومحيطها. ولم تكن تلك الهجمات تستهدف منشآت اقتصادية فحسب، بل كانت تستهدف أيضًا ثقة المستثمرين، واستقرار قطاع يمثل أحد أهم أعمدة التنمية، في توقيت كانت فيه الحكومة تمضي في مشاريع إصلاحية واسعة.
وفي الجانب الاقتصادي، ظل ملف رواتب الموظفين أحد أكبر التحديات التي واجهت الحكومة، وسط أزمات متكررة وضغوط معقدة ألقت بظلالها على الوضع المالي في الإقليم. ومع ذلك، استمرت الحكومة في مشروعها الإصلاحي، مدفوعة بقناعة أن بناء مؤسسات شفافة لا يجوز أن يتوقف بسبب الأزمات، بل يصبح أكثر إلحاحًا في أوقات الأزمات.
لا أحد يستطيع أن يدّعي أن الفساد انتهى، أو أن حكومة واحدة قادرة على القضاء عليه. فالفساد منظومة تراكمت عبر عقود، ولن تزول بقرار أو خلال ولاية حكومية واحدة. لكن المؤكد أن أي إصلاح حقيقي يبدأ عندما تتوافر الإرادة السياسية لمواجهة تلك المنظومة، مهما بلغت كلفة المواجهة.
وهنا قد يختلف الناس في تقييم أي تجربة، وهذا حق مشروع. لكن من الصعب إنكار أن العديد من القرارات التي اتخذتها حكومة مسرور بارزاني لم تقتصر على تقديم خدمة أو تنفيذ مشروع، بل استهدفت إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة والاقتصاد، وبين الإدارة والمال العام، وبين المواطن والمؤسسة.

اترك رد