منبر العراق الحر :
لا تُعد “استراتيجية طبخ الضفدع” نظرية عسكرية بالمعنى الأكاديمي، بل استعارة تحليلية لفهم التصعيد المتدرج وإدارة السلوك السياسي عبر الزمن. تعود إلى قصة ارتبطت بعالم الفسيولوجيا الألماني فريدريش غولتس، ثم أعاد الكاتب الفرنسي أوليفييه كليرك إحياءها بعنوان The Boiled Frog Syndrome. ورغم دحضها بيولوجيًا، بقيت صالحة سياسيًا؛ لأنها تصف كيف يتحول التغيير المحدود، بتراكمه، إلى واقع بنيوي يتكيف معه الخصم قبل أن يدرك حجم التحول. فهل تكمن خطورة الاستراتيجية في بطء التصعيد، أم في قدرتها على تعطيل لحظة الوعي بأن قواعد الصراع قد تغيّرت بالفعل؟
في العلوم السياسية، تتقاطع الاستعارة مع “التدرج”عند تشارلز ليندبلوم، منظّر صنع القرار المتراكم، ومع “الإكراه والتصعيد المحسوب” عند توماس شيلينغ، أبرز منظّري الردع النووي، ومع “سوء الإدراك”لدى روبرت جيرفس، الباحث في أثر التصورات الخاطئة في القرار الدولي.
فالضغط لا يستهدف كسر إرادة الخصم بضربة واحدة، بل إعادة تعريف ما يعتبره مقبولًا؛ من العقوبة إلى العزل، ومن الإنذار إلى الضربة المحدودة، حتى يغدو الاستثناء قاعدة اشتباك جديدة. فهل يصبح الطرف الذي يتجنب الرد الشامل أكثر عقلانية؟أم أنه يمنح خصمه بالتدرج حق تحديد العتبة التي سيضطر عندها إلى الرد.
تتجلى هذه الآلية في المسار الأمريكي تجاه إيران؛ إذ سبقت المواجهة المباشرة سنوات من العقوبات القصوى والعزل المالي والعمليات السيبرانية واستهداف شبكات النفوذ، ثم انتقلت الحرب إلى ضرب أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي ومراكز القيادة والقدرات البحرية. وفي يوليو/تموز 2026، توالت الضربات الأمريكية لليالٍ متعاقبة حول مضيق هرمز، مستهدفة منصات الصواريخ والمسيّرات والبنية العسكرية الساحلية، بينما ردت إيران بهجمات على مواقع وحلفاء أمريكيين في الإقليم. لم تعد كل ضربة حدثًا مستقلًا، بل اختبارًا لسقف الرد تُستخدم نتائجه لمعايرة الضربة اللاحقة. (Reuters) فهل كانت واشنطن تقلّص القدرة الإيرانية؟ أم تجمع، عبر ردود طهران المحدودة، المعرفة العملياتية اللازمة للانتقال من الردع إلى التحكم بسُلّم التصعيد.
وفي المنطقة الرمادية، لا تعمل القوة العسكرية منفردة؛ إذ تتكامل مع الحصار البحري، وضغط الطاقة، والحرب المعلوماتية، والرسائل الدبلوماسية. وقد كشف الصراع حول مضيق هرمز أن التحكم بالممرات التجارية يمكن أن يحول الجغرافيا إلى أداة إكراه متبادل: تضرب واشنطن القدرات المهددة للملاحة، فيما توظف طهران قابلية تعطيل التدفقات النفطية لرفع الكلفة العالمية للحرب. وهنا لا يُطبخ “الضفدع” الإيراني وحده؛ فارتفاع أسعار الطاقة والخسائر الأمريكية وضغط الحلفاء قد يرفع تدريجيًا حرارة البيئة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.فمن يراكم الضغط على الآخر فعلًا: من يملك التفوق الناري؟ أم من يستطيع نقل كلفة المعركة إلى اقتصاد خصمه وتحالفاته وشرعيته الداخلية.
وتبلغ الاستراتيجية أخطر مراحلها عند استهداف المنشآت أو المواقع المتصلة بالبرنامج النووي. فالقيمة لا تنحصر في الضرر المادي، بل في تطبيع قابلية الضرب، وإبلاغ طهران بأن أصولًا كانت تُعامل بوصفها خطوطًا حمراء أصبحت قابلة للإدراج ضمن بنك الأهداف. لكن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن حوادث طالت مواقع إيرانية، وتحذيرها من مخاطر مهاجمة المنشآت النووية، تكشف أن التدرج قد ينقل الصراع من إعادة تشكيل الردع إلى إعادة تعريف المحظور الدولي نفسه. فهل يؤدي تآكل حرمة المنشآت النووية إلى ردع إيران؟ أم إلى إقناعها بأن امتلاك الردع النووي لم يعد خيارًا تفاوضيًا بل ضرورة بقاء.
تكمن المفارقة في أن كل خطوة أمريكية ناجحة تكتيكيًا قد تنتج خطأً استراتيجيًا: تفسير ضبط النفس الإيراني ضعفًا، بينما قد يكون توزيعًا للرد عبر الزمن والوكلاء والممرات البحرية؛ وفي المقابل قد تفسر طهران محدودية الأهداف الأمريكية عجزًا عن الحرب الشاملة، بينما تكون تمهيدًا لتوسيعها. وهكذا يتحول “الصبر الاستراتيجي” إلى مفهوم ملتبس؛ فقد يكون قدرة على الامتصاص، وقد يكون اسمًا مهذبًا لتآكل الردع.
وإذا كان كل طرف يعتقد أنه يرفع الحرارة ببطء تحت الآخر، فهل يكون الخاسر هو من ينهار أولًا؟ أم من يكتشف متأخرًا أن قدرته على التكيف كانت الأداة التي استخدمها خصمه لنقله، خطوة بعد أخرى، إلى الحرب التي ظن طوال الوقت أنه يتجنبها.
عرض
منبر العراق الحر منبر العراق الحر