منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
التقرير الاستراتيجي رقم (35): «عقيدة الرهينة الجغرافية»
23 تموز / يوليو 2026
تمهيد ومقاربة المفهوم
في العرف العسكري الكلاسيكي، تُعرَّف “الأهداف التقليدية” بأنها الخصوم المباشرون الذين تربطهم بالدولة حالة عداء معلنة وجيوش متقابلة. لكن الشرق الأوسط المعاصر أنتج نمطاً مختلفاً من التفكير الاستراتيجي، لم تعد فيه الجغرافيا مجرد مساحة سيادية، بل تحولت إلى أداة ضغط ومساومة وردع متبادل.
ومن هذا المنطلق، لا ينظر الحرس الثوري الإيراني إلى دول الخليج العربي بوصفها «خصماً تقليدياً» بالمعنى العسكري الكلاسيكي، ولا بوصفها «ساحة محايدة» يمكن تحييدها أثناء الصدام مع الولايات المتحدة، بل يتم التعامل معها وفق تكتيك برغماتي هجين يُعرف بـ «عقيدة الرهينة الجغرافية والمصلحية»؛ باعتمادها فضاءً حيوياً ترتبط سلامته واستقراره بمصير المواجهة الكبرى بين طهران وواشنطن. ضمن هذا المنظور الصارم، يرى الحرس الثوري أن ضرب البنية التحتية الخليجية ليس هجوماً على دول الخليج بذاتها، بل هو أسرع وأنجع وسيلة للضغط على الولايات المتحدة والغرب لوقف أي حرب ضده.
وبينما ترى العواصم الخليجية نفسها دولاً ذات سيادة وشريكاً في منظومة الأمن العالمي، ينظر إليها الجناح الأكثر تشدداً في طهران باعتبارها الخاصرة الأكثر حساسية للغرب، والقناة الأسرع لرفع كلفة أي حرب محتملة ضد الجمهورية الإسلامية.
فلسفة “القيادة المنفردة”
في تصنيف أهداف العتبة الخليجية
لتفكيك التعنت الإيراني المتمثل في معادلة (أي ضربة أمريكية تقابل بضربة للبنية التحتية الخليجية)، يجب فهم الكيفية التي يفكر بها الجناح المتشدد الحاكم في طهران:
منظور “المطية الأمنية”: يرى الحرس الثوري أن جغرافيا الخليج، باحتضانها للقواعد الأمريكية (العديد، علي السالم، الأسطول الخامس)، قد تحولت إلى منصة وثب لوجستية وعسكرية واستخباراتية متقدمة لواشنطن. لذا، يسقط الحرس الثوري تكتيكياً صفة “الدول المستقلة” عن جيرانه أثناء الصدام، ويعتبر الجغرافيا الخليجية بأكملها “امتداداً عملياتياً للسيادة الأمريكية”.
أدوات الردع غير المتكافئ: تدرك طهران تماماً الفجوة التكنولوجية الهائلة بين سلاحها الجوي التقليدي المتهالك وسلاح الجو الأمريكي والخليجي المتطور. لذلك، لا يفكر الحرس الثوري في خوض “معركة نظامية تقليدية” (طائرات ضد طائرات)، بل يعتمد على “الردع غير المتكافئ” عبر توجيه الصواريخ والمسيرات نحو أهداف ثابتة، رخوة، وفائقة الأهمية الاقتصادية كمنشآت تكرير النفط، ومحطات تحلية المياه، والموانئ في الخليج.
تكتيك “تدفيع الثمن العالمي”
(الخليج كخاصرة رخوة للغرب)
عندما يهدد الحرس الثوري بتدمير البنية التحتية الخليجية، فإنه يتحرك وفق حسابات جيوسياسية دقيقة تهدف إلى استثارة القوى الكبرى وحظر أي عمل عسكري ضده عبر الآتي:
1. الرهان على “شلل شريان الطاقة العالمي”
تدرك القيادة المنفردة في طهران أن المجتمعات الغربية والأسواق العالمية لا تتحمل انقطاعاً مفاجئاً لتدفقات النفط والغاز من الخليج.
استهداف مصافي أرامكو السعودية أو موانئ التصدير الإماراتية والقطرية يعني قفزة فورية لأسعار النفط تتجاوز حاجز الـ 150 دولاراً للبرميل، مما يسبب تضخماً وانهياراً في البورصات الغربية. هنا يصبح الأمن الخليجي ورقة ضغط يبتز بها الحرس الثوري القرار السياسي في واشنطن وعواصم أوروبا.
2. محو الفارق بين “المستضيف” و”المعتدي”
يعتمد المنظور المتشدد للحرس الثوري على مبدأ “من يعين خصمي فهو خصمي”. بناءً على ذلك، يتم إبلاغ العواصم الخليجية خلف الكواليس بأن “الحياد السياسي” لم يعد كافياً؛ فمجرد بقاء القواعد الأمريكية تعمل وتتلقى الإمدادات فوق أراضيها أثناء الحرب، يمنح الحرس الثوري المبرر العقائدي لضرب بنية تلك الدولة التحتية، حتى وإن لم يخرج من أرضها صاروخ واحد تجاه إيران.
الأبعاد العملياتية للهجوم الإيراني
(خارج النطاق التقليدي)
إذا ما تقرر تفعيل هذا المنظور بعد أي ضربة أمريكية، فلن يكتفي الحرس الثوري بالهجوم الصاروخي التقليدي من أراضيه، بل سيلجأ إلى أساليب تدميرية هجينة تعكس مدرسة اتخاذ القرار المنفردة:
الضربات الجوية المنصهرة (الإغراق بالوكالة): تفعيل الخلايا والوكلاء في اليمن والعراق لإطلاق مئات المسيرات الانتحارية الرخيصة (شاهد) وصواريخ كروز بالتزامن مع الضربات الإيرانية، لإحداث حالة “شلل برمجية وعملياتية” لمنظومات الباتريوت والثاد الخليجية عبر استنزاف مخزوناتها الاعتراضية الثمينة في الساعات الأولى للمعركة.
الألغام البحرية والزوارق الانتحارية الفوضوية: تحويل مضيق هرمز ومياه الخليج إلى منطقة موت بحري عبر نشر آلاف الألغام الذكية غير المغناطيسية والزوارق المسيرة السريعة، لقطع إمدادات التموين ورفع كلفة التأمين البحري إلى مستويات خيالية تتسبب في عزل موانئ المنطقة برمتها.
الاستنتاج والقراءة المضادة
(كيف يواجه الخليج هذا التعنت؟)
أمام هذا التصنيف الإيراني الذي يضع دول الخليج في خانة “الرهينة”، طورت العواصم الخليجية تكتيكات مضادة متطورة حتى عام 2026:
الدبلوماسية الوقائية الحازمة: الحفاظ على قنوات اتصال أمنية مباشرة مع طهران لإيصال رسالة واضحة مفادها: “أي استهداف للبنى التحتية الخليجية سيعقبه تدمير كامل للبنية التحتية النفطية والاقتصادية الإيرانية على السواحل، ولن تكتفي دول الخليج بالدفاع الموضعي”.
التكامل الراداري المشترك مع (CENTCOM): الاستفادة القصوى من شبكة الإنذار المبكر والربط التقني الجاري إدارته من قطر لضمان رصد وتدمير الصواريخ قبل وصولها لمنشآت الطاقة، مع بناء مخزونات استراتيجية هائلة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية المحلية والدولية لإفشال تكتيك “الإغراق”.
معضلة «الحياد المستحيل»
تكشف العقيدة الأمنية للحرس الثوري عن معضلة استراتيجية تواجهها دول الخليج في أوقات الأزمات الكبرى: فحتى لو اختارت هذه الدول الحياد السياسي، فإن الجغرافيا ذاتها قد تمنعها من أن تكون محايدة بالكامل.
فوجود القواعد العسكرية الأجنبية، وارتباط الموانئ الخليجية بسلاسل الطاقة العالمية، وتكامل أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي مع الشبكات الغربية، كلها عوامل تجعل الحرس الثوري ينظر إلى الخليج بوصفه جزءاً من مسرح العمليات، لا مجرد جارٍ إقليمي.
ومن هنا، لا تكمن المعضلة الخليجية في إعلان الحياد أو الانحياز، بل في كيفية إقناع الخصم بأن الشراكات الدفاعية لا تعني بالضرورة المشاركة في الحرب. إنها معركة سياسية ونفسية بقدر ما هي معركة عسكرية.
الخاتمة الاستشرافية
إن دول الخليج العربي في حسابات “القيادة المنفردة بالحكم” في طهران ليست أهدافاً تقليدية، بل هي “أهداف وظيفية استراتيجية”. يرى الحرس الثوري في تدمير البنية التحتية الخليجية أداة الردع المثالية لثني واشنطن عن إسقاط نظامه، معتبراً أن كلفة إحراق الخليج اقتصادياً هي الثمن المقبول لبقاء نظام الولي الفقيه في طهران.
مستقبلاً، تتطلب مواجهة هذا التعنت الاستراتيجي استمرار دول الخليج في بناء قدراتها الذاتية في التصنيع الدفاعي وتوطين التكنولوجيا البرمجية المضادة للمسيرات، بالتوازي مع إفهام طهران باللغة العسكرية المباشرة أن “زمن الضربات من طرف واحد قد ولى”، وأن المساس بالمنشآت الحيوية للخليج سيعني انتحاراً اقتصادياً وعسكرياً كاملاً للداخل الإيراني نفسه، وهو الرادع الحقيقي الوحيد الذي يفهمه عقلاء السياسة وقادة الحرس الثوري على حد سواء.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن دول الخليج، التي لم تكن يوماً جزءاً أصيلاً من الصراع الأيديولوجي بين واشنطن وطهران، تجد نفسها اليوم في قلب معادلاته الأمنية والعسكرية. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على حماية حقول النفط والموانئ والمنشآت الحيوية، بل يمتد إلى تحرير الجغرافيا الخليجية من منطق «الرهينة» وتحويلها إلى مركز قوة قادر على فرض كلفة باهظة على أي طرف يفكر في استخدام أمن المنطقة كورقة تفاوض أو أداة ابتزاز.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر