“آخر بروفا”… عن الوحدة والعزلة وانطفاء النّجمات

منبر العراق الحر :

تبدو بطلة “آخر بروفا” (تأليف وتمثيل ماريا الدويهي، إخراج شادي الهبر) وحيدةً على خشبة المسرح، قبل أن نكتشف أنّ أرواحاً كثيرة تُشاركها هذه المساحة الخاصة.

جمهورٌ غائبٌ، حبيبٌ وهميّ، وتسجيلات من أفلام قديمة بأصوات ممثلاتٍ راحلات، منهنّ سعاد حسني وهي تقول الجملة الأشهر في الأفلام المصرية: “أنا بحبك يا أحمد”، وصوت الممثلة رينيه الديك مستعيدةً “زمنها” المفقود.

وإذا أردنا أن نربط بين النجمة المصرية سعاد حسني والفنانة اللبنانية رينيه الديك، سنقف حتماً عند النهاية التراجيدية في حياة كلّ منهما. ومن هذه الزاوية، يمكن أن ندلف إلى عوالم هذا العرض المونودراميّ، بكلّ ما فيه من تناقضات وجماليات.

فكرة “النهاية” هي خيط رئيس يشبك تفاصيل المسرحية بعضها ببعض. وهو إذ يُطلّ بدايةً عبر عنوان العمل “آخر بروفا”، فإنّه يترك أثره واضحاً على العمل ككلّ.

تدور المسرحية حول “نهاية” ممثلة منسيّة، تحاول أن تكتب “نهاية” نصّ مسرحيّ قد ينتشلها من وحدتها، ويعيدها إلى جمهورها.

ولأنّ فكرة النهاية تؤرق البطلة، فإنها تحاول – على مدار العرض – أن تختلق حديثاً لا ينتهي مع ذاك الحبيب المُتخيّل: عن جمهورها، فنّها، نصّها، جسدها، رغبتها… المهمّ أن تتكلّم كأنّ في الكلام شفاءً أو نجاة من الموت، على الطريقة الشهرزداية.

ومثلما كانت “العزلة”، خلال السنتين الأخيرتين، هي الحلّ في مواجهة وباء كورونا وتبعاته، فإنّ “الحكي” هنا هو الحلّ في مواجهة العزلة، وربما الموت.

نوستالجيا

يبدأ العرض مع الممثلة وهي تقف ثابتةً في مكانها، ترتدي معطفها الأسود الطويل بتسريحة شعر “ريترو”، وتستمع إلى مقاطع موسيقية وسينمائية بأصوات فنانات قديمات، ما يعبّر عن نوستالجيا إلى الزمن الماضي.

وبعد لحظات من العتمة والصمت، نرى الممثلة بفستان أسود مكشوف على الصدر، بينما تترك معطفها المصنوع من الفرو منسدلاً على علّاقة الملابس.

وما إن تبدأ بالحديث مع حبيبها المتخيّل (الكرسيّ الفارغ) حتى ندرك أنّ المعطف المعلّق في زاوية المسرح هو المعادل الرمزيّ لصورة “النجمة” المتروكة وحدها في زاوية بعيدة من هذا العالم. أمّا الشخصية التي تستفرد بالكلام على الخشبة، فهي المرأة المتبقية من تلك الفنانة المنعزلة.

بعد خسارة الأضواء، تقرّر البطلة أن تعود إلى جمهورها عبر مسرحية جديدة. تحاول أن تكتب نصاً لا يكتمل. تستعين بحبيبها الوهميّ لعلّه يساعدها في إكمال نصّها المبتور، لكنّها تنتهي بمطالبته بأن يُكمّل حياتها ويحبّها ويؤنسها و”يكتشفها”.

خلال هذه المواجهة (المرأة/ الرجل)، تتبدّل الشخصية وتتعدّد بسرعة البرق. هي تارةً المؤلفة المهمومة بخلق حبكة مناسبة، وطوراً هي المرأة المتفجّرة رغبةً وعشقاً. وبين العطش “الإبداعي” والعطش “الأنثوي”، نرى الممثلة في حركة مستمرّة على المسرح. تدور إلى أن تدوخ في زحمة أفكارها، أو لنقل أشباحها.

في لحظة ما، تخلع الفستان وتقف بالـ”كومبينيزون” (قميص النوم المكشوف)، فكأنها تخلع طبقةً أخرى من ذاتها. تتخفف من ملابسها كأنها تتخفف من همومها. تحكي مخاوفها، متاعبها، كبتها… ثمّ تلبس زياً غجرياً استعراضياً لتتمايل على المسرح وهي تغني مقطوعةً أوبرالية بصوت بديع.

وفي لحظة تحرير الجسد والصوت، تذوب الحدود الفاصلة بين الممثلة والمتفرّج الذي ينساق معها إلى ذكريات طفولتها حتى يصل إلى العمق. هناك تنكشف أمامه الحقائق على شكل اعترافات وعقد وفانتاسمات.

ذات متصارعة

توجّه البطلة كلامها إلى الرجل/ الفراغ. ثمّ تحاول أن تُكمل نصّها/ الحلم. وفي هذه الرحلة، ثمّة تجسيد حرفيّ للذات المتصارعة بين كونها امرأة (محرومة من الحبّ) وممثلة (محرومة من الجمهور).

وأمام هذه الحالة المتضخمة من البؤس والحرمان، تحاول البطلة أن تؤنس نفسها بحبيب تتوهمّه، وبنصٍّ تؤلفه، لتدخل هذه المحاولات كلّها في صناعة ما يُسمّى بـ”البروفا”، المُشار إليها في العنوان.

ولا شكّ بأنّ تقنية “المسرح داخل المسرح” هي اختيار صائب لكونها تخدم فكرة النصّ عبر تصوير العالم على أنّه لعبة درامية، وأنّ الحياة هي مسرح كبير يتلوّن ما بين الكوميديا والتراجيديا، وأنّ الأضواء مهما سطعت فإنها سوف تنطفئ لحظة انتهاء مدّة العرض (أو الحياة).

وهذا ما تعبّر عنه البطلة في قولها: “شو بقلهم؟ خلصت المسرحية، روحو عالبيت. بقلهم إنه الحياة مسرحية أشرف من هيدي! بقلهم إنه الممثل هو إنسان فاشل؟”.

رغم أنّه العرض المسرحيّ الأول لبطلته وممثلته ماريا الدويهي، يأتي “آخر بروفا” كعمل ناضج، مكثف، سريع، نسويّ في ظاهره وإنسانيّ في جوهره. وهو إن اهتمّ بقضية الممثلات “المعزولات” وليس “المعتزلات” (والفرق كبير)، إلا أنه يُحاكي في بعده الآخر قضية “الزمن” من منظار الإنسان الوحيد، سواء أكان رجلاً أم امرأة.

مايا الحاج……النهار العربي

اترك رد