منبر العراق الحر :
# ازدواجية المعايير في التعامل مع الحشد الشعبي والمقاومة العراقية
ليست المشكلة في العراق أن العالم يختلف حول السلاح، ولا أن القوى الدولية والإقليمية اكتشفت فجأة أن الدولة الحديثة لا تستقيم إلا باحتكارها للقوة المسلحة؛ فهذه قاعدة صحيحة من حيث المبدأ، ولا خلاف عليها… ؛ وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في (ازدواجية تطبيق هذه القاعدة): لماذا يتحول السلاح إلى جريمة حين يكون في يد فصائل عراقية شيعية قاتلت الإرهاب أو قاومت الاحتلال، بينما يصبح في حالات أخرى «أمرًا واقعًا» أو «طرفًا سياسيًا» أو «شريكًا في التسوية» حين يكون في يد جماعات مسلحة ذات خلفيات أيديولوجية سنية متطرفة، أو قوى أمر واقع نشأت خارج مؤسسات الدولة؟!
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين منذ البداية: ليست الطائفة السنية هي المقصودة بهذه المقارنة، كما أن كل جماعة مسلحة شيعية ليست فوق النقد أو المساءلة… ؛ فالإدانة يجب أن تنصب على (الأفعال والتنظيمات والسياسات)، لا على المذهب الذي ينتمي إليه الإنسان… ؛ فكما أن تنظيم «داعش» و«القاعدة» و«جبهة النصرة» وغيرها لا يمثلون عموم السنة، فإن أي فصيل شيعي مسلح لا يمثل عموم الشيعة ولا يعفى من المحاسبة لمجرد انتمائه المذهبي.
لكن هذا التمييز الضروري لا يمنع من طرح السؤال الأصعب: هل تطبق القوى الدولية والإقليمية معيارًا واحدًا على جميع القوى المسلحة، أم أن المعيار يتغير تبعًا للهوية السياسية والمذهبية ومصالح الدول؟
# أولًا: عندما يصبح الإرهاب «ثورة» والمقاومة «ميليشيا»
شهد العراق وسوريا خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المراحل دموية في التاريخ الحديث للمنطقة… ؛ وقد ارتكبت التنظيمات الجهادية والتكفيرية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة و «داعش»، جرائم موثقة على نطاق واسع: القتل الجماعي، والخطف، والتعذيب، والاسترقاق الجنسي، والاغتصاب، وتجنيد الأطفال، والتهجير القسري، وتدمير المدن والمواقع الدينية والثقافية.
وقد وثقت الأمم المتحدة جرائم «داعش» ضد الإيزيديين، وخلصت تقاريرها إلى وجود أفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وإلى الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين.
ولم تكن هذه الجرائم مجرد حوادث فردية أو تجاوزات معزولة؛ فقد قامت عقيدة «داعش» على تقسيم البشر إلى مؤمنين وكفار، وعلى إباحة العنف ضد جماعات دينية وإثنية بأكملها… ؛ ومن هنا فإن مواجهة هذه التنظيمات لم تكن حربًا مذهبية فحسب، وإنما كانت حربًا على مشروع إرهابي عابر للحدود.
وفي العراق تحديدًا، كان انهيار قطاعات من المنظومة العسكرية والأمنية أمام «داعش» عام 2014 نقطة التحول الكبرى… , فوجد العراقيون أنفسهم أمام تنظيم يسيطر على مدن وأراضٍ واسعة، ويهدد بغداد والنجف وكربلاء وسامراء وغيرها، بينما كانت مؤسسات الدولة بحاجة إلى قوة إضافية تسند الجيش والأجهزة الأمنية.
ومن هنا ظهر الحشد الشعبي بوصفه أحد أهم تشكيلات التعبئة المسلحة التي شاركت في الحرب على «داعش».
# ثانيًا: الحشد الشعبي ليس كيانًا خارج الدولة من الناحية القانونية
قد يختلف العراقيون في تقييم الحشد سياسيًا، وقد تختلف القوى السياسية حول حجم دوره وطبيعة علاقاته ومقدار استقلال بعض فصائله، لكن الحقيقة القانونية لا ينبغي تجاهلها… ؛ ففي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 أقر مجلس النواب العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي جعل الهيئة جزءًا من القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وأخضع منتسبيها للقوانين العسكرية… ؛ وقد وثقت مكتبة الكونغرس الأمريكي هذه النقلة القانونية بصورة واضحة.
كما يؤكد مجلس القضاء الأعلى العراقي خضوع منتسبي هيئة الحشد الشعبي للقوانين العسكرية بموجب قانون الهيئة رقم 40 لسنة 2016.
وهذا يقودنا إلى نقطة جوهرية: يمكن مناقشة أداء الحشد، ويمكن المطالبة بإصلاحه وإعادة تنظيمه، ويمكن محاسبة أي فرد أو تشكيل يثبت ارتكابه جريمة، ولكن لا يصح تاريخيًا أو قانونيًا التعامل مع الحشد وكأنه مجرد مجموعة مسلحة عابرة لا صلة لها بالدولة العراقية… ؛ فالمؤسسة أُنشئت لها صفة قانونية، وأصبح لها موقع ضمن المنظومة الأمنية العراقية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول هذه الحقيقة القانونية إلى حصانة من المساءلة… ؛ فالدولة القوية هي التي تجمع بين أمرين: احتكار القرار العسكري، ومحاسبة كل من يحمل السلاح باسم الدولة أو خارجها.
# ثالثًا: هل المطلوب احتكار الدولة للسلاح أم إضعاف العراق؟
هنا ينبغي الفصل بين مطلبين مختلفين تمامًا.
الأول: أن يكون السلاح والقرار العسكري تحت سلطة الدولة العراقية.
وهذا مبدأ لا يمكن لعاقل رفضه.
أما الثاني فهو أن تتحول الدعوة إلى «حصر السلاح بيد الدولة» إلى مشروع لتجريد العراق من كل عناصر القوة والردع، في وقت ما تزال فيه البيئة الإقليمية مضطربة، والحدود معرضة للتهديد، والتنظيمات الإرهابية لم تختفِ تمامًا، والدولة العراقية نفسها ما زالت في طور بناء قدراتها العسكرية والاستخبارية.
إن احتكار الدولة للسلاح لا يعني (نزع سلاح الدولة أو إضعافها)، بل يعني إعادة تنظيم القوة داخل مؤسساتها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان المطلوب من الفصائل و الحشد أن يخضع للدولة، فلماذا لا يكون الحل هو (إعادة هيكلته ودمج وحداته وتنظيم قيادته وتوحيد القرار العسكري ومحاسبة المخالفين) بدل طرح المسألة وكأن المطلوب هو إفراغ العراق من قوته العسكرية؟
فالفرق كبير بين «إعادة تنظيم القوة» و«تجريد البلد من عناصر الردع».
# رابعًا: المفارقة الأفغانية
ولعل النموذج الأفغاني يكشف جانبًا مهمًا من هذه الإشكالية.
فالولايات المتحدة لم تتعامل مع «طالبان» باعتبارها طرفًا يمكن إلغاؤه إلى الأبد؛ بل دخلت معها في مفاوضات مباشرة انتهت باتفاق الدوحة عام 2020، ومهّدت لانسحاب القوات الأمريكية، ثم انهارت الحكومة الأفغانية في أغسطس/آب 2021 وعادت طالبان إلى السلطة.
والأهم أن الوثائق الأمريكية نفسها أقرت لاحقًا بأن اتفاق الدوحة (مكّن طالبان وأضعف الحكومة الأفغانية)، وأن الاتفاق كان يفترض تسوية سياسية ولم يكن مصممًا لتسليم البلاد لطالبان ببساطة.
كما أن الولايات المتحدة لم تعلن اعترافًا رسميًا بحكومة طالبان بوصفها الحكومة الشرعية لأفغانستان في تقاريرها الرسمية اللاحقة.
والنتيجة الواقعية السياسية الواضحة هي أن حركة خاضت حربًا طويلة ضد الولايات المتحدة وحلفائها انتهت إلى السيطرة على الدولة الأفغانية بعد الانسحاب الأمريكي.
وهنا يبرز السؤال العراقي: إذا كانت الواقعية السياسية تسمح للقوى الكبرى بالتفاوض مع حركة مسلحة كانت تحاربها، فلماذا تصبح القوى العراقية المسلحة التي شاركت في مقاومة الاحتلال الأمريكي أو محاربة الإرهاب هدفًا دائمًا لمشروع الإقصاء والتجريد؟!
أليس من الممكن أن يكون المعيار الحقيقي هو المصالح الاستراتيجية، لا مجرد المبدأ المعلن؟
# خامسًا: سوريا تكشف بدورها مشكلة «إعادة تعريف الخصم»
الحالة السورية أكثر تعقيدًا، لأنها شهدت تحولًا هائلًا في مواقف القوى الدولية تجاه القوى المسلحة الموجودة على الأرض.
فقد كان أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، مرتبطًا بجبهة النصرة، التي ارتبطت بتنظيم القاعدة، كما أن هيئة تحرير الشام ظلت لسنوات مدرجة على قوائم الإرهاب الدولية.
وتُظهر وثائق الأمم المتحدة أن هيئة تحرير الشام كانت مدرجة باعتبارها الاسم الآخر لجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، وأن أحمد الشرع كان مدرجًا على قوائم العقوبات الأممية.
لكن المشهد السياسي تغير لاحقًا بصورة كبيرة، وبدأت دول غربية وإقليمية تتعامل مع السلطات الجديدة في دمشق من منظور سياسي مختلف.
وفي يوليو/تموز 2025 أعلنت الولايات المتحدة إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية بعد إعلان حلها والتزامات السلطات السورية الجديدة بمكافحة الإرهاب، وفق ما ورد في وثيقة أممية نقلت الموقف الأمريكي.
ولا يعني هذا أن كل علاقة دولية مع سلطة جديدة هي بالضرورة خطأ؛ فالدبلوماسية تتعامل مع الوقائع السياسية كما هي… ؛ لكن المسألة التي تستحق النقاش هي: لماذا يُطلب من العراقي أن ينظر إلى بعض القوى المسلحة بوصفها «إرهابية إلى الأبد»، بينما تستطيع قوى أخرى أن تنتقل، في سنوات قليلة، من خانة الإرهاب إلى خانة الشريك السياسي؟!
إن كان المعيار هو السلوك، فيجب أن يكون السلوك هو المعيار للجميع.
وإن كان المعيار هو المصلحة السياسية، فينبغي الاعتراف بأن المصالح السياسية هي التي تحكم جزءًا كبيرًا من العلاقات الدولية، بدل تقديمها دائمًا في صورة مبادئ أخلاقية ثابتة.
# سادسًا: ليبيا والسودان وغيرهما
ولا تنحصر ظاهرة ازدواجية المعايير في العراق وسوريا وأفغانستان.
فليبيا والسودان وغيرهما شهدا ظهور تشكيلات مسلحة نافذة تمتلك سلاحًا وتنظيمًا ومناطق نفوذ وقدرات عسكرية ضخمة، وأصبح بعضها جزءًا من معادلات التفاوض والحكم والأمن، رغم توثيق انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
وفي السودان مثلًا وثقت الأمم المتحدة انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة في الحرب، بما في ذلك قوات الدعم السريع وحلفاؤها، وذكرت تقارير الأمم المتحدة هجمات واسعة على مجتمعات غير عربية وسقوط آلاف القتلى وتفاقم أزمة الحماية.
وهنا لا بد من الإنصاف: السودان ليس نموذجًا بسيطًا يمكن اختزاله في «مليشيات سنية مقابل دولة»، والحرب السودانية لها تركيبتها التاريخية والسياسية والعسكرية الخاصة… , وكذلك ليبيا ليست ساحة لصراع مذهبي بسيط.
لكن المقارنة تظل صالحة من زاوية واحدة: القوى الدولية تستطيع أن تتفاوض مع أمراء الحرب والقوى المسلحة حين تقتضي مصالحها ذلك، ثم تستخدم لغة مختلفة عندما يتعلق الأمر بفصائل أخرى.
وهذا هو أصل الاعتراض.
# سابعًا: لا يجوز تبرئة الفصائل العراقية من أخطائها
ولأن المقالة الجادة لا تبنى على الانتقائية، فلا بد من قول ما قد لا يروق لبعض أنصار الحشد والمقاومة: نعم، توجد انتهاكات قانونية نسبت إلى أفراد أو وحدات مرتبطة بالحشد الشعبي أو بفصائل مسلحة عراقية … ؛ وهذا أمر يجب ألا يخشاه العراقي… ؛ فالقول إن الحشد قاتل «داعش» لا يعني أن كل ما يفعله كل منتسب إليه صحيح… ؛ والقول إن فصيلًا قاوم الاحتلال لا يعني أن أفراده معصومون من الخطأ… ؛ والقول إن العراق يتعرض للتهديد لا يمنح أحدًا رخصة لارتكاب الجريمة او عقد صفقة فساد … ؛ فالمقاومة ليست حصانة من القانون، والحشد ليس فوق الدولة، والحكومة نفسها ليست فوق القانون.
لكن في المقابل، فإن وقوع انتهاك من فرد أو وحدة لا يبرر تحويل مؤسسة بأكملها إلى متهم جماعي، كما لا يجوز تحويل جرائم أفراد في مؤسسة عسكرية إلى حكم أخلاقي على طائفة بأكملها… ؛ فالعدالة لا تعمل بمنطق «الكل مذنب لأن بعض الأفراد أخطأوا».
# ثامنًا: وإذا كان المعيار هو حقوق الإنسان، فليكن واحدًا
المشكلة الأخطر ليست في انتقاد الحشد، بل في **انتقائية الانتقاد**.
إذا كان قطع الرؤوس جريمة، فهو جريمة سواء ارتكبه «داعش» أو أي فصيل آخر.
وإذا كان التعذيب جريمة، فهو جريمة سواء ارتكبه جهاز رسمي أو جماعة مسلحة.
وإذا كان قتل المدنيين جريمة، فلا ينبغي أن يتغير الحكم بحسب هوية القاتل أو هوية الضحية.
وإذا كان سبي النساء جريمة ضد الإنسانية، فهو كذلك أياً كان مرتكبوه.
وإذا كان تهجير المدنيين جريمة، فلا ينبغي أن تتحول الجريمة إلى «ضرورة عسكرية» عندما يرتكبها حليف، وإلى «إرهاب» عندما يرتكبها خصم.
هذه هي القاعدة التي ينبغي أن يدافع عنها العراقي: لا نريد حصانة للحشد، ولا حصانة للشيعة أو السنة … ؛ نريد معيارًا واحدًا للجميع.**
# تاسعًا: لماذا يتركز الضغط على العراق؟
هنا ندخل إلى الجانب السياسي والاستراتيجي.
العراق ليس دولة هامشية في الشرق الأوسط.
العراق يمتلك النفط، والموقع الجغرافي، والحدود مع عدة دول، والموارد البشرية، والمكانة التاريخية، والموقع الرابط بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران.
ومن ثم فإن امتلاك العراق لقوة عسكرية مستقلة وقرار أمني مستقل ليس مسألة داخلية صرفة بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية.
إن وجود قوة عراقية قادرة على التعبئة السريعة والحرب البرية، وامتلاك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وخبرة قتالية اكتسبها العراق خلال حربه ضد «داعش»، يغير حسابات القوى المحيطة به.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال: هل تريد بعض القوى الدولية والاقليمية والانظمة السياسية المجاورة عراقًا قويًا مستقل القرار، أم عراقًا مستقرًا بالحد الأدنى لكنه محدود القدرة على المناورة؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات، وإنما بدراسة المصالح والوقائع والسياسات.
# عاشرًا: الخلط بين «الدولة» و«الطائفة» هو الفخ الأكبر
من أخطر ما يمكن أن يقع فيه العراقيون أن تتحول المعركة السياسية إلى صراع بين «السنة والشيعة».
فالمشكلة ليست في السنة بوصفهم مواطنين عراقيين، ولا في الشيعة بوصفهم مواطنين عراقيين.
العراق بلد متعدد المكونات، وقوته في أن يكون جميع أبنائه مواطنين متساوين.
والخطر الحقيقي هو (التنظيمات التي تتخذ من الدين أو القومية أو الطائفة وسيلة لاحتكار السلطة والسلاح والثروة).
ولهذا فإن العراقي الذي ينتقد «داعش» لا ينبغي أن يُتهم بأنه يعادي السنة، كما أن العراقي الذي ينتقد فصيلًا شيعيًا مسلحًا لا ينبغي أن يُتهم بأنه يعادي الشيعة.
الدولة الوطنية لا تقيس المواطن بمذهبه، ولا تقيس الجريمة بمذهب مرتكبها.
# الحادي عشر: العراق يحتاج إلى دولة قوية، لا إلى عراق منزوع الأنياب
العراق لا يحتاج إلى تعدد مراكز القوة إلى الأبد.
ولا يحتاج أيضًا إلى جيش ضعيف ثم يُطلب منه أن يتكفل وحده بكل أعباء الدفاع عن البلاد.
الحل الحقيقي ليس في ترك السلاح منفلتًا، وليس في جمعه من طرف واحد وترك الآخرين يمتلكون أدوات القوة والنفوذ.
الحل هو بناء (مؤسسة عسكرية وأمنية عراقية قوية، محترفة، موحدة القيادة، مستقلة القرار، قادرة على الدفاع عن الحدود والسيادة، وتخضع للمساءلة والقانون.) .
وإذا كانت هناك تشكيلات مسلحة تمتلك خبرة قتالية كبيرة، فالمصلحة الوطنية تقتضي استثمار هذه الخبرة داخل مؤسسات الدولة، لا تدميرها ثم اكتشاف أن العراق فقد جزءًا من قدرته الدفاعية.
أما إذا ثبت أن تشكيلًا أو فردًا أو قائدًا ارتكب جريمة، فليُحاسب… ؛ وإذا ثبت أن جماعة تمتلك قرارًا عسكريًا خارج سلطة الدولة، فلتُعالج المشكلة بالقانون.
لكن ينبغي أن تكون العملية (عراقية القرار، تدريجية، مؤسساتية، ومتوازنة)، لا نتيجة إملاءات خارجية أو ضغط سياسي أو عسكري.
# الثاني عشر: الخلاصة — المشكلة ليست في السلاح وحده، بل في صاحب القرار
إن أخطر ما يمكن أن يفعله العراق هو أن ينظر إلى المسألة بمنظار طائفي.
وأخطر ما يمكن أن تفعله القوى الخارجية هو أن تستخدم شعار «حصر السلاح بيد الدولة» بصورة انتقائية لتحديد من يملك القوة ومن يُحرم منها وفق مصالحها المشبوهة والطائفية .
أما القاعدة الصحيحة فهي أبسط من كل ذلك: سلاح الدولة للدولة… ؛ وسلاح العراقيين بمختلف فصائلهم وانتماءاتهم للعراق … ؛ لكن الدولة يجب أن تكون قوية بمرور الزمن … ؛ والقانون يطبق على الجميع… ؛ بشرط أن يكون القانون واحدًا… ؛ والمحاسبة واجبة على الجميع… ؛ اذ لا يجوز أن تكون انتقائية.
ومقاومة الاحتلال والارهاب لا تمنح حصانة من الجريمة او من الفساد ؛ وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول المقاومة إلى تهمة أبدية بمجرد أن أصحابها ينتمون إلى بيئة سياسية أو مذهبية لا تحظى بالقبول لدى بعض القوى الدولية والاقليمية .
لقد أثبت التاريخ أن الجماعات المسلحة التي تحارب قوى دولية او قوات احتلال قد تتحول غدًا إلى أطراف تفاوضية، وقد تصبح جزءًا من السلطة، وقد يعاد تعريفها سياسيًا عندما تتغير المصالح.
وهذه ليست دعوة إلى تسليم العراق للفصائل المسلحة، كما أنها ليست دعوة إلى ترك الحشد خارج الدولة… ؛ إنها دعوة إلى شيء أكثر صعوبة وأكثر عقلانية: أن يكون العراق هو صاحب القرار… ؛ وان يكون سلاح العراقيين للعراق … ؛ لا واشنطن تقرر من يحمل السلاح في العراق، ولا أنقرة، ولا طهران، ولا الرياض، ولا تل أبيب، ولا أي عاصمة أخرى.
العراقيون وحدهم، عبر دولتهم ومؤسساتهم الدستورية، يقررون شكل منظومتهم الأمنية، وحجم قواتهم، وطبيعة تنظيمها، ومن يحمل السلاح، وتحت أي قيادة، وبأي قانون.
أما أن يُطلب من العراق أن يتخلى عن عناصر قوته بينما تبقى المنطقة محاطة بالقواعد العسكرية، والجماعات المسلحة، والعصابات التكفيرية , والعناصر الارهابية , والصراعات الإقليمية والطائفية والقومية ، ومشاريع النفوذ، فهذا يحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال لا يمكن دفنه تحت الشعارات: من الذي سيضمن أمن العراق بعد أن يتخلى العراق عن أدوات قوته وردعه ؟
وهنا تحديدًا تكمن جوهر المسألة.
فالعراق لا ينبغي أن يكون دولة مليشيات، لكنه لا ينبغي أيضًا أن يكون( دولة منزوعة القدرة، محكومة بالخوف، تعتمد في أمنها على الآخرين، وتُطلب منها الطاعة حين يُطلب منها السلاح، ثم تُترك وحدها حين يحين وقت الدفاع عن نفسها) .
القوة الحقيقية ليست أن يمتلك العراق فصائل كثيرة، ولا أن يجرد نفسه من سلاح تلك الفصائل … ؛ فالقوة الحقيقية أن يمتلك **دولة واحدة، وقرارًا واحدًا، وجيشًا قويًا، وأجهزة أمنية محترفة، وفصائل مسلحة منضبطة منضوية تحت راية الوطن والقانون , ومؤسسات قانونية مستقلة، وقدرة ردع وطنية، وسياسة خارجية لا تُكتب في عواصم الآخرين.
وهذا، في نهاية المطاف، هو المعيار الذي ينبغي أن نحاكم به الجميع: لا سنّة ولا شيعة، لا مقاومة ولا فصائل، لا حلفاء ولا خصوم.
والجريمة جريمة، والمقاومة مقاومة، والإرهاب إرهاب، والسيادة سيادة؛ ولا ينبغي أن تتغير التعريفات بتغير هوية من يحمل السلاح… ؛ أو بمزاج الانظمة السياسية الطائفية الحاقدة .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر