حين يبدّل السؤال ثوبه….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :  هل تداهم الفلسفة مخاطر الهزيمة؟ وهل الفلسفة هي الفكر نفسه، أم إحدى أدواته؟
أظن أن السؤال يحتاج أولًا إلى إعادة النظر في افتراضه؛ لأن الفلسفة لم تكن يومًا مجرد مجموعة من الإجابات حتى تُهزم حين ينتقل بعض أسئلتها إلى العلم. كانت الفلسفة حاضرة قبل تشكل العلوم الحديثة في هيئة سؤال؛ تسأل عن الكون والمادة والحياة والإنسان والمعرفة، في وقت لم تكن فيه العلوم قد امتلكت أدواتها الحديثة للإجابة عن كثير من هذه الأسئلة.
ثم تطور العلم، فأخذ بعض تلك الأسئلة وحوّلها إلى مسائل قابلة للفحص والاختبار. كان سؤال: مم يتكون العالم؟ سؤالًا فلسفيًا في بداياته، ثم أصبح مجالًا للفيزياء والكيمياء. وكان سؤال الكون وطبيعته من الأسئلة التي شغلت الفكر الفلسفي، ثم دخل علم الفلك والفيزياء في صلبه، وأصبح جانب واسع منه قابلًا للرصد والحساب والنمذجة. وكذلك أسئلة المادة والحياة ونشأتهما؛ فقد انتقلت جوانب واسعة منها إلى الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وعلم الوراثة والتطور.
لكن هل يعني ذلك أن الفلسفة تراجعت أو هُزمت؟
ليس بالضرورة.
فالفلسفة لم تكن منافسًا للعلم، بل كانت، في مراحل تاريخية مبكرة، حاضنة لأسئلة لم تكن قد امتلكت بعد أدواتها الخاصة. ومع تطور تلك الأسئلة وامتلاكها أدوات الفحص والاختبار، استقل بعضها في علوم متخصصة. ولم يكن هذا الاستقلال نهاية للفلسفة، بل كان، في جانب منه، ثمرة من ثمار السؤال الذي احتضنته الفلسفة ودفعته إلى الأمام.
وكلما تقدم العلم وأجاب عن سؤال، أنجب سؤالًا جديدًا؛ لأن المعرفة لا تغلق باب السؤال، وإنما تفتح أبوابًا أخرى. فحين يكتشف العلم قانونًا أو يكشف حقيقة، لا ينتهي الأمر عند الحقيقة المكتشفة، بل تبدأ أسئلة جديدة حول معناها وحدودها وشروطها وآثارها.
وهنا تستعيد الفلسفة حضورها، لا بوصفها منافسًا للعلم، ولا بوصفها بديلًا عنه، وإنما بوصفها حضورًا في السؤال الذي يتولد من المعرفة. فالعلم يجيب ضمن أدواته ومناهجه، بينما تواصل الفلسفة مساءلة ما يتصل بشروط المعرفة وحدودها ودلالاتها وما يترتب عليها.
ولهذا يمكن القول إن الفلسفة لم تغادر العلم حين استقل بعض مجالاته عنها، بل بقيت حاضرة في جسده؛ حاضرة في الأسئلة التي تولد من نتائجه، وفي مساءلة حدوده ودلالاته وآثاره.
والأمر نفسه ينطبق على اللغة.
فالفلسفة لم تتعامل مع اللغة بوصفها مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت تسأل منذ وقت مبكر عن طبيعتها وعلاقتها بالفكر والحقيقة. ثم تطورت دراسة اللغة في اتجاهات علمية مستقلة، وظهرت اللسانيات والسيميائيات والتداولية وتحليل الخطاب ودراسة النص والتلقي، فأصبحت اللغة مجالًا واسعًا للسؤال عن كيفية تشكل المعنى وإنتاجه وتداوله.
استقلت دراسة اللغة في حقولها الحديثة، لكن الفلسفة لم تغادر جسدها؛ بقيت في السؤال عن المعنى، وعن علاقة اللغة بالفكر، وعن كيفية تشكل الدلالة، وعن الحدود بين ما تقوله اللغة وما نفهمه منها.
كان السؤال: ما اللغة؟ ثم أصبح: كيف تعمل اللغة؟ ثم اتسع أكثر: كيف تنتج اللغة المعنى؟ وكيف يتشكل المعنى في النص والسياق والتلقي؟
وهنا يتقدم السؤال اللغوي بوصفه سؤالًا فكريًا جديدًا، لا لأنه يلغي السؤال الفلسفي، بل لأنه ينقل جانبًا من الاهتمام إلى مجال آخر. فكما انتقل جانب من سؤال الكون إلى العلم، انتقل جانب من سؤال المعنى إلى اللغة والنقد، دون أن يعني ذلك موت السؤال الفلسفي.
ومع هذا التحول، يتقدم الناقد ليؤدي بعض الوظائف التي كان الفيلسوف يضطلع بها في مراحل سابقة؛ فلا يبحث بالضرورة عن حقيقة نهائية، بل يكشف آليات تشكل الدلالة، ويتتبع كيفية تجلي المعنى وتحوله بتغير النص والسياق والوعي.
وهكذا لا يصبح العلم واللغة والنقد بدائل عن الفلسفة، وإنما حقولًا تبلورت من تعدد السؤال وتخصصه. فلكل مجال سؤاله: للعلم سؤاله، وللغة سؤالها، وللنقد سؤاله، وللفلسفة سؤالها. وما يتغير ليس حضور السؤال، وإنما مجاله وأداته واتجاهه.
ومن هنا، فإن ما يبدو تراجعًا للفلسفة قد يكون في الحقيقة انتقالًا لبعض أسئلتها إلى حقول معرفية أخرى. فالفلسفة لا تخسر حين يستقل العلم عنها، كما لا تخسر حين تتطور دراسة اللغة أو حين يطور النقد أدواته؛ لأن استقلال هذه الحقول هو، في جانب منه، ثمرة تاريخ طويل من الأسئلة التي احتضنتها الفلسفة.
فالفلسفة قد تتراجع عن بعض مواقعها، لكنها لا تتراجع عن جوهرها؛ لأن السؤال هو جوهر فعلها.
كانت حاضرة قبل تشكل العلوم الحديثة في هيئة سؤال، وسايرت العلم في تطوره، وظلت حاضرة في نتائجه. وهي في جسد العلم سؤال عن حدوده ودلالاته، وفي جسد اللغة سؤال عن المعنى وشروط تشكله.
لذلك، فالفلسفة لا تُهزم ولا تموت؛ لأنها ما دام السؤال حيًا فهي حاضرة. وقد تتغير مجالاتها، وتتبدل أدواتها، وتنتقل بعض أسئلتها إلى العلم أو اللغة أو النقد، لكن جوهرها يبقى حيًا ما دام الإنسان قادرًا على أن يسأل.
الفلسفة لا تموت إلا حين يموت السؤال، والسؤال لا يموت ما دام الفكر حيًا.
السؤال لا يموت؛
إنه يبدّل ثوبه.

عبدالكريم السعيد

 

اترك رد