منبر العراق الحر :….حاوره: أحمد الحاج ….
* بدأت رحلتي مع الإسلام عام 1992م وقد وجدت فيه وطنا للقلب ومعنى للحياة ونورا للطريق وربا رحيما أرجو أن ألقاه وهو راض عني وهذا عندي أعظم ما يمكن أن يجده إنسان في رحلة عمره.
*أتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون إنتاجا وكتبي الإلكترونية متاحة مجانا راجيا ألا تكون ملكا شخصيا أحرسه وإنما صدقة جارية وعلماً يَنتفع به الناس.
* حين أسلمت ربحت محمدا ﷺ ولم أخسر المسيح عليه السلام ..لم يطلب مني الإسلام أن أمحو اسم المسيح من قلبي ولم يطلب مني أن أسخر منه أو أتنكر له أو أسيء إليه بل فتحت القرآن فوجدت عيسى ابن مريم عليه السلام أمامي.
عندما عقدت العزم قبل(25) عاما خلت متوكلا على الباري عز وجل للبدء بمشروع ثقافي ودعوي يتضمن جمع كل ما يقع عليه بصري،واحصاء ما يتنامى الى سمعي، والإحاطة بتفاصيل ما يتناهى إليه علمي من درر وشذرات وقطوف عبقة تتمحور حول قصص استثنائية ملهمة لمسلمين جدد من خلال البحث المشفوع بالتقصي الدؤوب على مكث وتؤدة مع المتابعة الحثيثة عن كثب للاحاطة بمدى موثوقية المصادر، ومصداقية النقلة ،وبما يخدم المشروع ويحصنه من الزلل ليرتقي به الى أفق أرحب،فقد ذهلت بكم لا يحصى من أعلام ومشاهير وعلماء وأدباء وأكاديميين ومفكرين وفنانين ورياضيين ومن مختلف الجنسيات في شتى أصقاع المعمورة وقد أشهروا إسلامهم عن قناعة تامة ولم يكتفوا بذلك بل كان لهم دور فاعل في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من غير ابتداع ولا غلو ولا إفراط أو تفريط ، ليسهموا في خدمة هذا الدين الحنيف الخاتم برغم جسامة المشاق التي واجهوها،وبرغم كم العقبات والعراقيل والتحديات التي اعترضت سبيلهم ليتركوا بصمات جلية كشعاع الشمس في رابعة النهار لا تحجب بغربال، متفانين في الدعوة الى دين الله تعالى، وفي تعلم وتعليم كتابه العزيز، والحرص على تعريف البشرية بسيرة وسنة وتعاليم نبيه الكريم ﷺ القائل: ” الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى، وأنا أوْلى النَّاسِ بعيسى ابنِ مَريمَ…” .
وفي هذا الحوار الصحفي الماتع سنترشف سوية فنجان قهوة افتراضية على احدى طاولات مقهى الماسنجر الثقافي مع عَلَمٍ من هؤلاء الأعلام وبعد ثلاثة عقود ونيف على إسلامه التي قضاها في الكتابة والتأليف والتعلم والتعليم والدعوة على بصيرة لكل ما من شأنه خدمة دينه الحنيف بكل صدق وجد وتفان ومثابرة وإخلاص،إنه الداعية الهمام دريد إبراهيم الموصلي،الذي بادرناه بأسئلتنا فأجاب عنها مشكورا بكل تواضع ورحابة صدر وسرور :
س1- ماذا تقرأ بطاقتكم الشخصية،ومتى بدأت رحلتكم الرائدة مع الإسلام؟
-أنا دريد إبراهيم الموصلي، من مواليد بغداد عام 1971، نشأت في برطلة، ودرست في جامعة الموصل – كلية التربية، قسم علوم الحياة. وأعرّف نفسي اليوم ببساطة بأنني مدرس وكاتب ومؤلف ومجاز بتدريس القرآن الكريم، وقبل ذلك كله: طالب علم ما زال يتعلم، وأسأل الله أن يجعل ما أقدمه خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
أما رحلتي مع الإسلام، فلها في قلبي تاريخ آخر للميلاد؛ فقد اعتنقت الإسلام في 23 كانون الثاني عام 1992، ولذلك أحب أن أقول إن لي ميلادين: ميلاد دخلت به إلى هذه الدنيا، وميلاد عرفت فيه الطريق الذي أريد أن ألقى الله عليه.
ومنذ ذلك اليوم لم يكن الإسلام بالنسبة إلي مجرد انتقال من دين إلى دين، ولا مجرد تغيير في خانة الهوية، بل كان بداية رحلة طويلة في البحث والتعلم وإعادة بناء الإنسان من داخله.
قضيت سنوات طويلة في طلب العلم والقراءة والتعلم، ثم شرفني الله بخدمة كتابه وتعليمه، فدرست القرآن الكريم وعلّمته سنوات، ثم اتسعت دائرة الخطاب عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والتأليف.
ومع مرور السنوات أصبحت أشعر أن رسالتي التي أريد أن أبذل ما بقي من عمري من أجلها هي أن أقرب الناس من القرآن، لا ليقرأوه فحسب، بل ليفهموه ويتدبروه ويكتشفوا أنفسهم في مرآته، ثم يتحول هذا الفهم إلى تغيير حقيقي في القلب والسلوك والحياة.
ولذلك أستطيع أن أقول: لقد بدأت رحلتي مع الإسلام عام 1992م، لكنني إلى اليوم أشعر أنني ما زلت في أول الطريق؛ لأنك كلما عرفت الله أكثر، وعشت مع كتابه أكثر، أدركت كم بقي أمامك مما لا تعرفه.
س2- قبل أيام طرحت سؤالا مهما على صفحتك في موقع التواصل الاجتماعي -فيسبوك، قلت فيه”إن سألتني بعد أربعة وثلاثين عاما ماذا وجدت في الإسلام؟ فسأقول…”،والحقيقة أن جمهورك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا ،أسوة بمن لا يعرفك منهم عن كثب برغم أنك أشهر من نار على علم، كلهم يودون أن يسمعوا من جنابك الكريم حقيقة ما وجدت في الإسلام بعد ثلاثة عقود ونيف في رحابه ؟
-أولا أشكر لكم حسن ظنكم، لكن اسمحوا لي أن أتحفظ بمحبة على عبارة “أشهر من نار على علم”. أنا لا أرى نفسي كذلك، ولا أحب أن أقيس ما قدمته بعدد من عرف اسمي أو تابعني؛ فأنا طويلب علم بسيط، أصيب وأخطئ، وأحتاج إلى من يقومني ويصحح لي. والذي يعنيني حقا ليس أن يعرف الناس دريد إبراهيم الموصلي، بل أن يكون فيما أقدمه شيء يدلهم على الله ويقربهم من كتابه.
أما سؤالكم: ماذا وجدت في الإسلام بعد أربعة وثلاثين عاما؟
فلو أردت أن أختصر هذه السنوات كلها في جملة واحدة لقلت:
وجدت في الإسلام الله.
وأنا لا أعني أنني لم أكن أعرف اسم الله قبل الإسلام، وإنما أعني أنني بدأت أعرف معنى أن يكون لك رب تعرفه بأسمائه وصفاته، تلجأ إليه، وتفتقر إليه، وتحبه، وترجوه، وتخافه، وتحسن الظن به، وتكتشف كلما تقدمت في الطريق أنك كنت أحوج إليه مما كنت تظن.
وجدت في الإسلام جوابا عن أكبر أسئلة الإنسان: من أنا؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين أمضي؟ ولماذا أتألم؟ وماذا أفعل بالنعم التي بين يدي؟ وماذا بعد الموت؟
ووجدت فيه أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أحكام تنظم حياته، بل يحتاج إلى معنى يحمل به هذه الحياة.
وجدت في الصلاة مكانا أعود فيه من ضجيج الدنيا إلى نفسي.
ووجدت في القرآن كتابا لا يخبرني فقط عن الأمم التي مضت، بل يخبرني عني أنا؛ يكشف لي قلبي، ويصحح نظرتي، ويضع يده على أمراضي، ويعيد ترتيب الأشياء داخلي كلما بعثرتها الدنيا.
وجدت في التوبة أن الإنسان لا تنتهي قصته عند خطئه.
وفي الدعاء أن ضعفك لا يعني أنك وحدك.
وفي القضاء والقدر أن ما يفلت من يدك لا يفلت من تدبير الله.
وفي الابتلاء أن الألم ليس دائما علامة هجر، وأن بعض ما كسرني في حياتي كان سببا لأن أعرف من الله ما لم أكن لأعرفه في أيام العافية.
ووجدت في الموت، الذي يخاف الناس مجرد ذكره، معنى يعيد للدنيا حجمها الحقيقي؛ فلا نجاحها يستحق أن نعبد أنفسنا من أجله، ولا خسارتها تستحق أن نفقد الله بسببها.
وبعد أربعة وثلاثين عاما، لم أجد الإسلام سجنا ضاق عليَّ كلما تقدمت فيه، بل وجدته أفقا يتسع كلما تقدمت نحوه.
والأجمل أنني بعد هذه العقود لا أستطيع أن أقول: لقد عرفت الإسلام وانتهيت.
بل العكس تماما.
كلما تعلمت، اكتشفت مقدار ما أجهل.
وكلما اقتربت من القرآن، شعرت أن أمامي عمراً آخر أحتاجه لأفهمه وأعيش به.
وكلما عرفت شيئا عن الله، ازددت يقينا أن أعظم خسارة يمكن أن يعيشها الإنسان ليست أن يفقد مالا، أو صحة، أو شهرة، أو مكانة…
بل أن يعيش هذه الحياة كلها ولا يعرف ربه.
فإن سألتموني بعد أربعة وثلاثين عاما: ماذا وجدت في الإسلام؟
أقولها وأنا أستحضر الطريق كله:
وجدت وطنا للقلب، ومعنى للحياة، ونورا للطريق، وربا رحيما أرجو أن ألقاه وهو راض عني.
وهذا عندي أعظم ما يمكن أن يجده إنسان في رحلة عمره.
س3- أنت مهتم بربط العلم بالعمل،والقرآن بالسلوك،والعقيدة بإصلاح القلب، والمعرفة بالعبودية ،ومع دعوتك إلى تدبر القرآن الكريم،إلا أنك لطالما حذرت من مغبة تحول التدبر إلى قول على الله بغير علم، أو تحميل النصوص ما لا تحتمله وتأسيسا على ذلك فأنت تفرق بين التفسير والتدبر والتأمل والتطبيق التربوي.. حدثنا قليلا عن هويتك العلمية،وعن مرجعيتك الدينية،وعن منهجك الذي تحاول أن تسير عليه،ولا سيما في مجالات التأليف وإلقاء المحاضرات التربوية ،والدروس الوعظية .
-هذا السؤال يمس قضية أعدها من أهم القضايا في مشروعي كله: أن نعرف من أي موقع نتكلم عن القرآن، وأين تنتهي مساحة التدبر، وأين تبدأ مسؤولية التفسير والقول على الله تعالى.
أما عن هويتي العلمية، فأنا حريص على ألا أقدم نفسي بما لست أهلا له. لم أتخرج في كلية شرعية، ولا أزعم لنفسي رتبة عالم أو مفسر أو فقيه، وإنما درست علوم الحياة في كلية التربية بجامعة الموصل، ثم أمضيت ما يقارب ربع قرن في طلب العلم الشرعي بصورة ذاتية، والقراءة والدراسة والمراجعة، مع عناية خاصة بالقرآن الكريم وعلومه وتفسيره، وشرفني الله بالإجازة في تدريس القرآن الكريم، وبممارسته تعليما سنوات طويلة.
ولهذا أحب أن أضع نفسي دائما في الموضع الذي أعرفه عن نفسي: طالب علم، ومدرس، وكاتب، ومؤلف؛ أتعلم وأعلم ما تعلمت، وأصيب وأخطئ، ولا أستنكف أن يقال لي: أخطأت هنا، أو هذا الاستدلال يحتاج إلى مراجعة. بل أعد الرجوع إلى الحق جزءا من الأمانة العلمية، لا انتقاصا من صاحبها.
أما مرجعيتي الدينية فهي القرآن الكريم والسنة الصحيحة بفهم أهل العلم المعتبرين، والرجوع إلى كتب التفسير والحديث والفقه والعقيدة المعتمدة، والإفادة من تراث علماء الأمة، من غير أن أجعل شخصا بعد رسول الله ﷺ فوق المراجعة أو النقد العلمي، ومن غير أن أجعل نفسي حكما على العلماء.
وأحاول في ذلك أن أفرق بين الثابت الشرعي وبين فهم البشر للثابت الشرعي؛ فالوحي معصوم، أما أفهامنا نحن فليست معصومة.
ومن هنا جاءت عنايتي الشديدة بالتفريق بين التفسير والتدبر والتأمل والتطبيق التربوي.
فالتفسير يسأل:
ماذا تعني الآية؟
أي ما المراد من ألفاظها وتراكيبها وسياقها بحسب لسان العرب وأصول التفسير وما قرره أهل العلم.
أما التدبر فيأتي بعد فهم المعنى، ويسأل:
ماذا تكشف لي هذه الآية؟ وإلى ماذا تهديني؟ وماذا ينبغي أن تغير في نظرتي وقلبي وسلوكي؟
والتأمل أوسع من ذلك من جهة النظر في المعاني والروابط والآثار التي يفتحها النص للقارئ، بشرط ألا ننسب إلى الله معنى لم يدل عليه كلامه.
أما التطبيق التربوي فهو أن ننتقل من فهم الهداية إلى تنزيلها على واقع النفس والأسرة والمجتمع، مع بقاء الفرق واضحا بين قولنا:
“معنى الآية هو…”
وبين قولنا:
“ومن هدايات الآية يمكن أن نتعلم…”
وهذا الفرق عندي بالغ الأهمية.
لأن المشكلة التي أراها اليوم ليست في دعوة الناس إلى تدبر القرآن؛ فالقرآن نفسه دعا إلى تدبره، وإنما المشكلة حين يتحول التدبر إلى تفسير بلا أدوات، أو إلى خواطر شخصية تقدم للناس على أنها مراد الله، أو إلى البحث عن أسرار عددية وعلاقات لغوية ونفسية وعلمية لا يحتملها النص، ثم يقال: هذا من إعجاز القرآن.
أنا أخشى من جملة:
“فتح الله علي في هذه الآية”
إذا أصبحت تصريحا مفتوحا لأن يقول الإنسان في كلام الله ما شاء.
ليس كل ما خطر في قلبك تدبرا.
وليس كل معنى جميل معنى قرآنيا.
وليس كل علاقة مدهشة إعجازا.
وليس كل ما يمكن أن نربطه بالآية يجوز أن نقول إن الآية أرادته.
ولهذا أكرر دائما أن التدبر ليس صناعة معنى جديد للآية، وإنما الوقوف أمام معناها الصحيح حتى يصنع هذا المعنى شيئا جديدا فيك.
وهذه من القواعد المركزية التي أحاول أن أبني عليها ما أكتب وألقي.
أما منهجي في التأليف والمحاضرات، فأحاول أن أسير في اتجاه يمكن تلخيصه بأربع كلمات:
علم يفهم، وقلب يتأثر، وواقع يشخص، وعمل يتغير.
فلا أريد للمعلومة الشرعية أن تبقى معلومة باردة في الذهن، كما لا أريد للعاطفة أن تتحرك بلا علم.
حين أتحدث عن اسم من أسماء الله، لا يكفيني أن أعرف معناه اللغوي والعقدي؛ أسأل: ماذا ينبغي أن يصنع الإيمان بهذا الاسم في قلبي وعبادتي ونظرتي إلى الحياة؟
وحين أتحدث عن مرض من أمراض القلوب، لا أريد مجرد تعريف الكبر أو الحسد أو الرياء؛ أريد أن يخرج القارئ من الصفحة وهو يسأل نفسه:
هل في قلبي شيء من هذا؟ من أين دخل؟ وكيف أعالجه بالوحي؟
وحين أتناول آية من القرآن، أحاول أن أبدأ بمعناها الصحيح، ثم أنتقل إلى هداياتها، ثم أنزل بها إلى مرآة الواقع، ثم أجعل القارئ يقف أمام نفسه.
ولهذا فإن المشروع الذي أحاول خدمته في كتبي ومحاضراتي ليس مشروع تكثير المعلومات بقدر ما هو مشروع بناء الإنسان بالوحي.
وأعتقد أن عندنا اليوم وفرة هائلة في المعلومات الدينية، لكن المأساة أن المسافة قد تكون كبيرة بين ما نعرفه وما نعيشه.
قد يعرف الإنسان أبوابا كاملة في الإخلاص، ثم يكون أسيرا لنظر الناس.
ويقرأ عشرات الآيات في التوكل، ثم ينهار قلبه أمام الأسباب.
ويحفظ نصوصا في حسن الخلق، ثم يعجز عن إنصاف مخالفه.
ويعرف أحكام اللسان، ثم يهدم بلسانه قلوبا وبيوتا.
فالمشكلة ليست دائما: ماذا نعرف؟
بل كثيرا ما تكون:
ماذا فعلت بنا الأشياء التي عرفناها؟
ولهذا أحب هذه المعادلة:
العلم الذي لا يقود إلى العمل يحتاج إلى مراجعة، والعمل الذي لا يقوم على العلم يحتاج إلى تصحيح، والتدبر الذي لا ينطلق من معنى صحيح قد يتحول إلى قول على الله بغير علم، والعبادة التي لا تصل إلى القلب قد تبقى صورة لم تؤد أثرها كاملا في الإنسان.
وأنا في كل ذلك لا أقدم منهجي بوصفه مدرسة مكتملة أدعو الناس إلى الانتساب إليها، ولا أريد أن يصنع الناس من تجربتي مرجعية جديدة.
إنما هي محاولة عبد قضى سنوات مع القرآن، واكتشف أنه كلما اقترب منه ازداد شعورا بحاجته إلى العلم والتصحيح والتزكية.
وأقول للذين يقرأون لي ويسمعونني دائما:
لا تجعلوا ثقتكم بي بديلا عن الدليل، ولا محبتكم لي مانعا من تصحيحي.
فنحن لا نخدم القرآن حين نصنع حول من يتحدث عنه هالة تمنع مراجعته؛ وإنما نخدم القرآن حين يبقى الحق أكبر منا جميعا.
وهذه، باختصار، هي الهوية التي أحاول أن أحافظ عليها:
أن أكون عبدا قبل أن أكون متحدثا، وطالبا للحق قبل أن أكون صاحب رأي، وأن أجعل العلم جسرا إلى العبودية، والقرآن طريقا إلى إصلاح القلب، والمعرفة بداية للعمل لا نهايته.
س4-لجنابك الكريم كتاب قيم بعنوان ” احفظ القرآن الكريم كما تحفظ الفاتحة” ، هل لكم أن توجزوا لنا أهم مواضيعه ومباحثه ؟
– كتاب “احفظ القرآن الكريم كما تحفظ الفاتحة” من الكتب القريبة جدا إلى قلبي؛ لأنه وُلد من سنوات طويلة من التعامل المباشر مع حفظة القرآن وطلابه، ومن ملاحظة مشكلة تتكرر كثيرا: قد يحفظ الإنسان القرآن، ولكنه بعد مدة يجد نفسه في معركة مستمرة مع النسيان، وكأنه مطالب بإعادة بناء حفظه في كل مرة.
ومن هنا جاء السؤال الذي انطلق منه الكتاب:
لماذا تبقى سورة الفاتحة حاضرة في الذاكرة بهذه القوة، بينما يحتاج كثير من المحفوظ إلى جهد كبير لاستحضاره؟ وهل نستطيع أن نقترب ببقية القرآن من هذه الدرجة من الرسوخ؟
والعنوان بالطبع لا يعني أن هناك وصفة سحرية تجعل القرآن كله في درجة الفاتحة بمجرد تطبيق خطوات محددة، وإنما يشير إلى الغاية التي نسعى إليها: أن يتحول الحفظ من ذاكرة مؤقتة إلى بناء راسخ يستصحبه صاحبه في حياته.
ولهذا فالكتاب لا ينظر إلى حفظ القرآن بوصفه عملية تكرار للألفاظ فحسب، بل يحاول أن يبني علاقة أعمق بين الحافظ وما يحفظه.
ومن القضايا التي يعتني بها: تيسير الحفظ، وترسيخه، وربط الآيات والسور في ذهن الحافظ، والعناية بالمتشابهات اللفظية وضبطها، والاستفادة من فهم المعنى في تقوية الحفظ، مع التأكيد أن الحافظ لا ينبغي أن تكون علاقته بالقرآن علاقة ذاكرة فقط، وإنما فهم وتدبر وعمل وتزكية.
وأنا أرى أن من الأخطاء التي يقع فيها بعض طلاب الحفظ أن يصبح همهم:
كم صفحة حفظت؟ وكم جزءا أنهيت؟
بينما السؤال الذي ينبغي أن يرافق ذلك هو:
كم بقي مما حفظت؟ وكيف أصبحت علاقتك بما حفظت؟
فالسرعة في الوصول إلى آخر المصحف ليست هي النجاح وحدها.
قد تختم الحفظ ثم تبدأ رحلة طويلة لاستعادة ما فقدته، وقد تسير بصورة أبطأ ولكنك تبني في كل مرحلة أساسا أكثر رسوخا.
ولذلك أحاول أن أنقل الحافظ من عقلية “إنهاء المحفوظ” إلى عقلية “إتقان المحفوظ”.
وهناك معنى آخر أعده مهما جدا، وهو أن الفهم خادم عظيم للحفظ. فالآيات حين تتحول في ذهنك من كلمات متتابعة إلى معان مترابطة ومشاهد ومقاصد، يصبح استحضارها أيسر وأعمق من مجرد حفظ أصوات منفصلة.
ولهذا جاءت عنايتي كذلك بمسألة الترابط بين الآيات، وبالمتشابهات القرآنية؛ لأن كثيرا من اضطراب الحفظ لا يكون بسبب ضعف الذاكرة وحده، وإنما بسبب عدم وجود علامات واضحة في ذهن الحافظ تميز المواضع المتشابهة بعضها من بعض.
ولكنني في نهاية المطاف لا أريد أن يخرج القارئ من الكتاب حافظا قويا فقط.
فالقرآن لم ينزل لتكون أعظم علاقتنا به أن نستطيع استظهاره من أوله إلى آخره.
إنما الحفظ وسيلة لشيء أعظم:
أن تحمل القرآن في صدرك حتى يحملك القرآن في حياتك.
فإذا حفظ اللسان، وفهم العقل، وتأثر القلب، وتحرك السلوك، عندئذ يبدأ الحفظ يؤدي رسالته الحقيقية.
ولهذا فإن الرسالة التي يمكن أن ألخص بها الكتاب هي:
لا تجعل غايتك أن تقول يوما: لقد حفظت القرآن، بل اجتهد أن تبلغ من الإتقان والصحبة معه ما يجعل القرآن رفيق ذاكرتك وقلبك وعبادتك وحياتك.
س5- وماذا عن كتابك الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه ” تسعمائة 900 سؤال وجواب في تدبر آيات الكتاب”، فما هي زبدة رسالة التدبر القرآني ،وما هي خلاصة تجربة مؤلف الكتاب مع تدبر آيات الذكر الحكيم ؟
-كتاب “900 سؤال وجواب في تدبر آيات الكتاب” يمثل مرحلة مهمة من علاقتي بالقرآن الكريم؛ لأنه يقوم على فكرة أؤمن بها كثيرا، وهي أن السؤال الجيد قد يفتح للقارئ بابا في القرآن لم يكن منتبها إليه.
فالإنسان قد يقرأ الآية عشرات المرات، ثم يأتي سؤال واحد فيوقظه:
لماذا جاءت هذه الكلمة هنا؟
ما الذي تكشفه الآية عن النفس البشرية؟
ما العلاقة بين أول الآية وآخرها؟
لماذا جاء هذا الموقف بهذه الصورة؟
ماذا كان يمكن أن يحدث لو تصرف الإنسان على نحو آخر؟
وأين أنا من هذه الآية؟
ومن هنا جاءت فكرة الأسئلة والأجوبة؛ ليس لتحويل القرآن إلى مسابقة معلومات، وإنما لتدريب العقل على حسن الوقوف أمام النص، والقلب على حسن تلقي هدايته.
أما إذا سألتموني عن زبدة رسالة التدبر القرآني بعد هذه الرحلة، فسأقول:
التدبر ليس أن تستخرج من القرآن ما يدهش الناس؛ بل أن تسمح للقرآن أن يكشف لك ما يحتاج إلى التغيير فيك.
وهذه قضية أصبحت عندي أكثر وضوحا مع مرور السنوات.
ففي زمن وسائل التواصل أصبح هناك إغراء شديد بأن يأتي الإنسان بشيء “لم يسبق إليه”؛ علاقة غريبة بين كلمات، أو سر عددي، أو معنى نفسي بعيد، أو إسقاط معاصر مثير، ثم يقدم ذلك باسم التدبر.
وأنا أرى أن هذا قد يقلب وظيفة التدبر رأسا على عقب.
فالقرآن لم ينزل ليكون ميدانا نستعرض فيه ذكاءنا أمام الناس، وإنما نزل ليهدينا.
ولهذا أقول دائما:
لا تدخل إلى القرآن وأنت تسأل: ماذا سأستخرج منه ليعجب الناس؟
ادخل إليه وأنت تسأل: ماذا يريد الله أن يصلح فيّ بهذا الكلام؟
أما خلاصة تجربتي الشخصية مع تدبر القرآن، فقد علمتني عدة أمور كبرى.
أولها أن التدبر يبدأ بعد فهم المعنى، لا قبله.
فأنا لا أملك أن أصنع للآية معنى ثم أسميه تدبرا. لا بد أولا أن أعرف ماذا تقول الآية في سياقها، وأن أرجع عند الحاجة إلى كلام أهل التفسير واللغة، ثم تبدأ رحلة النظر في هداياتها وآثارها.
وعلمتني التجربة أيضا أن أعظم القرآن ليس دائما في أغرب ما نستخرجه منه، وإنما قد يكون في أوضح ما نمر عليه ولا نعيشه.
نقرأ:
﴿إن الله مع الصابرين﴾،ونعرف معناها…
ولكن هل عشنا حقا معنى أن يكون الله معنا ونحن نصبر؟
ونقرأ:
﴿أليس الله بكاف عبده﴾،لكن كم مرة عرفها اللسان وبقي القلب مضطربا كأنه لم يقرأها؟
ونقرأ عشرات الآيات في الآخرة، ثم نتعامل مع الدنيا أحيانا كأنها دار البقاء.
هنا أدركت أن المشكلة ليست دائما أننا لم نفهم الآية…
بل أننا فهمناها ولم نسمح لها أن تصل إلى الموضع الذي ينبغي أن تغيره فينا.
وعلمتني التجربة كذلك أن من أجمل أبواب التدبر أن تقرأ القرآن وكأنك تقف أمام مرآة.
لا تقرأ قصة المتكبر وأنت تبحث عن متكبر تعرفه.
ولا آيات المنافقين وأنت تبحث عن خصم تلصقها به.
ولا آيات الحسد وأنت تفكر في شخص يحسدك.
ولا آيات الظلم وأنت لا ترى إلا من ظلمك.
بل اسأل أولا:
هل فيّ شيء من هذا؟
وهذا من أصعب التدبر؛ لأن النفس تحب القرآن حين يكشف الآخرين، وقد تتألم حين يكشفها هي.
ولذلك أرى أن التدبر الحقيقي ينقل الإنسان تدريجيا من سؤال:
ماذا تقول هذه الآية عنهم؟
إلى سؤال:
ماذا تقول هذه الآية لي؟
لكن مع تنبيه مهم جدا: قولنا “ماذا تقول لي؟” لا يعني أن لكل إنسان أن يخترع للآية معنى شخصيا؛ وإنما يعني: بعد أن أفهم مرادها الصحيح، ما نصيبي أنا من هدايتها ومحاسبة نفسي بها؟
وعلمتني صحبة القرآن أمرا آخر:
أنك قد تعود إلى الآية التي تعرف تفسيرها، فلا يتغير تفسيرها، ولكن أنت الذي تغيرت.
تقرأها في الشباب فتفتح لك بابا.
وتقرأها بعد تجربة مؤلمة فتفتح لك بابا آخر من هدايتها.
وتقرأها بعد فقد أو مرض أو نجاح أو انكسار، فإذا بالكلمات نفسها، ولكن القلب الذي يستقبلها لم يعد القلب نفسه.
وهذا من عجائب القرآن؛ ثبات المعنى لا يعني انتهاء الهداية.
وكلما ازددت صحبة للقرآن ازددت حذرا من القول عليه.
كنت أظن في بدايات الطريق أن كثرة الكلام عن الآية دليل على حسن تدبرها، ثم تعلمت أن من العلم أحيانا أن تقف وتقول:
لا أدري.
وأن احترام القرآن ليس فقط في أن نتكلم عنه، بل أحيانا في أن نمتنع عن نسبة معنى إليه لا نملك عليه دليلا.
ولو أردت بعد هذه السنوات كلها أن أضع خلاصة تجربتي في خطوات قليلة لقلت:
اقرأ.
افهم.
لاحظ.
اسأل.
حاسب نفسك.
ثم غيّر.
فإن انتهى تدبرك عند معلومة جديدة فقط، فقد أخذت شيئا من الطريق.
وإن انتهى عند دمعة عابرة فقط، فقد أخذت شيئا آخر.
أما الغاية الكبرى فهي أن تقوم من أمام الآية وقد تغير فيك شيء:
تصور صححته.
أو ذنب تركته.
أو خلق أصلحته.
أو خوف هذبته.
أو يقين ازداد.
أو علاقة بالله أصبحت أعمق.
وهنا أصل إلى الخلاصة التي تمثل عندي رسالة هذا الكتاب ورسالة التدبر كلها:
ليس السؤال الكبير: كم آية تدبرت؟
بل:
كم آية غيرتك؟
فالقرآن لم ينزل ليملأ دفاترنا بالخواطر…
بل ليملأ حياتنا بالهداية.
س6- لقد أوليت اهتماما بعلم المتشابهات في القرآن الكريم ، ونود منك أن تعرج على مضمون وفحوى كتابك”موسوعة التبيان في ضبط وتوجيه وفهم متشابهات القرآن ” فهل تناولت بين دفتيه موقف الراسخين في العلم منها،كذلك موقف الزائغين عنها، وما أهمية دراسة المتشابه القرآني بنوعيه: الحقيقي و النسبي ؟
-نعم، لقد كان علم المتشابهات القرآنية من العلوم التي استوقفتني طويلا، لا من جهة الحفظ وضبط المواضع المتشابهة فحسب، وإنما من جهة أعمق كنت أبحث عنها دائما: لماذا جاء التعبير هنا بهذه الصورة، وجاء في موضع آخر بصورة قريبة منها ولكن مع اختلاف كلمة، أو تقديم وتأخير، أو تعريف وتنكير، أو زيادة وحذف؟
ومن هنا جاءت «موسوعة التبيان في ضبط وتوجيه وفهم متشابهات القرآن»؛ فلم أرد لها أن تكون كتابا يقول للقارئ: احفظ أن هذه الآية هنا بكذا، وهناك بكذا، وإنما أردت أن ينتقل طالب القرآن من سؤال: «كيف أضبط المتشابه؟» إلى سؤال أجمل وأعمق: «لماذا اختلف التعبير القرآني هنا؟».
لأنني أؤمن أن كثيرا مما نسميه متشابها في الحفظ، ليس تشابها في المعنى والسياق؛ فقد تتقارب الألفاظ، ولكن لكل موضع شخصيته وسياقه ومقصده، وإذا فهم القارئ ذلك أصبح الفهم نفسه عونا على الضبط.
أما المتشابه من حيث المفهوم القرآني الأوسع، فقد تناولت القضية مع ضرورة التفريق بين المتشابه الحقيقي والمتشابه النسبي.
فالمتشابه الحقيقي هو ما استأثر الله تعالى بحقيقة علمه، أو ما لا سبيل للعقل البشري إلى إدراك كنهه وحقيقته على الوجه الذي يعلمه الله؛ وهنا يظهر مقام العبودية والتسليم، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم يبقى علمه محدودا.
أما المتشابه النسبي فهو ما قد يشتبه على إنسان ويتضح لآخر، أو يخفى على طالب علم ثم ينكشف له بالرجوع إلى المحكم، وجمع النصوص، ومعرفة اللغة والسياق وأقوال أهل العلم. فهو متشابه بالنسبة إلى بعض الناس، وليس مغلقا على الأمة كلها.
وهنا تأتي الآية العظيمة في سورة آل عمران لتضع منهجا كاملا في التعامل مع هذا الباب، حين قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.
فالقرآن لم يجعل المشكلة في وجود المتشابه، وإنما كشف مشكلة القلب الذي يتعامل معه.
الزائغ يبحث عن المتشابه ليصنع منه فتنة، وقد يأخذ نصّاً محتملا ويترك النصوص المحكمة الواضحة، ثم يبني على ذلك شُبهة أو انحرافا؛ لأنه لم يدخل إلى القرآن طالبا للهداية بقدر ما دخل باحثا عما يؤيد ما يريد.
أما الراسخ في العلم فموقفه مختلف تماما؛ لا يضرب القرآن بعضه ببعض، ولا يجعل المتشابه حاكما على المحكم، ولا يتعجل فيما لا يعلم، بل يرد ما اشتبه عليه إلى ما اتضح، ويجمع النصوص، ويعرف قدر عقله، ثم يقول بقلب المؤمن قبل لسان العالم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
وهذه عندي من أعظم ثمرات دراسة المتشابه:
أنها لا تُعلِّمُك القرآن فقط، بل تُعلِّمُك الأدب مع القرآن.
تُعلِّمُك أن تقول: أعلم، حين تعلم.
وأن تقول: لا أعلم، حين لا تعلم.
وأن تدرك أن الرسوخ في العلم ليس أن تجد جوابا لكل شيء، وإنما أن تعرف كيف تتعامل مع ما ظهر لك، وكيف تتوقف أمام ما لم يظهر لك.
ولهذا حاولت في «التبيان» أن أجمع بين الضبط والتوجيه والفهم؛ لأن حافظ القرآن قد يضبط اللفظ ولا يدرك سرّ اختلافه، وقد يفهم المعنى ولكنه يحتاج إلى منهج يربط له المواضع بعضها ببعض.
وأردت للموسوعة أن تجعل المتشابه بابا إلى مزيد من التدبر، لا بابا إلى التكلُّف، وبابا إلى تعظيم دقَّة التعبير القرآني، لا إلى اختراع أسرار لا يدل عليها النَّص.
ولذلك أقول دائما: ليس كل اختلاف بين آيتين لغزاً نحتاج إلى حله، وليس كل تقديم أو تأخير «سرّاً خفيّاً» يجب أن نخترع له تفسيراً؛ فقد يكون وجه المناسبة ظاهرا، وقد يظهر بالبحث، وقد يبقى شيء لا نجزم فيه، وحينها تكون كلمة «لا أدري» علما وليست نقصا.
إن دراسة المتشابه القرآني، إذا قامت على أصول صحيحة، تزيد الحافظ ضبطا، وطالب العلم فهما، والمتدبر بصيرة، والمؤمن تعظيما لكلام الله.
ولعل هذه هي الفكرة التي أردت أن تحملها “موسوعة التبيان”:
ألَّا نبقى عند حدود السؤال: كيف لا أخلط بين الآيات؟
بل نرتقي إلى سؤال آخر:
ماذا يُعلِّمُني اختلاف هذه المواضع عن دقة كلام الله، وعن السياق، وعن منهج القرآن، وعن حدود فهمي أنا أيضا؟
فالقرآن لا يحتاج منا أن نثبت إعجازه بالتكلُّف؛ يكفي أن نقترب منه بعلم وإنصاف وأدب، لنكتشف أن الكلمة فيه ليست غريبة عن موضعها، وأن وراء هذا النَّظم من الحكمة والبيان ما يجعل طالب القرآن كلما ازداد به علما، ازداد أمامه تواضعا.
س7- لجنابك الكريم دروس ومحاضرات ومؤلفات عديدة تتمحور حول ” ضبط بدايات ونهايات أحزاب وأرباع القرآن الكريم بالجملة الإنشائية” و” طريقة مراجعة القرآن الكريم للخاتمين الذين تركوا المراجعة أو تفلت منهم” و”الحروف العربية صفات و مخارج” وكلها تدور حول أصول وقواعد وأحكام التجويد والحفظ والتلاوة، نود أن نستثمر حوارنا معك لتقدم للقراء الكرام خلاصة تجربتك المديدة في هذا المضمار المهم مع نفحات من محاضراتك وعصارة مؤلفاتك وخبراتك بشأنها للفائدة العامة .
-لعل أجمل ما في هذا السؤال أنه يعيدني إلى الميدان الذي عشت معه سنوات طويلة: مجالس القرآن، والطلاب، والحفظ، والتصحيح، ومشاهدة الناس وهم يبدأون ثم يتعثرون، ويحفظون ثم ينسون، وييأسون ثم يعودون.
وبعد هذه السنوات أستطيع أن أقول إنني تعلمت من طلاب القرآن بقدر ما علمتهم، وربما أكثر.
وأولى الخلاصات التي خرجت بها هي أن حفظ القرآن ليس مشروعا للذاكرة وحدها.
نحن مختلفون في قدراتنا؛ فمن الناس من يحفظ الصفحة بسرعة، ومنهم من يحتاج إلى تكرار كثير، ومنهم من يكون حفظه الأول بطيئا لكنه شديد الرسوخ، ومنهم من يحفظ بسرعة ثم يتفلت منه بسرعة.
ولذلك كنت دائما أحذر من المقارنات.
لا تقل: فلان حفظ في سنة، فلماذا لم أحفظ مثله؟
السؤال الأهم ليس:
كم احتجت حتى تحفظ؟
بل:
ماذا بقي معك مما حفظت؟
فالقرآن ليس سباقا إلى آخر صفحة.
ومن أكبر الأخطاء التي رأيتها أن ينشغل الطالب بالجديد حتى يصبح القديم هشا. وكلما تقدم في الحفظ ازدادت المساحة التي تحتاج إلى مراجعة، حتى يأتي يوم يشعر فيه أن القرآن الذي فرح بحفظه أصبح حملا ثقيلا عليه.
ومن هنا كانت عنايتي الكبيرة بالمراجعة.
وأقول لمن ختم القرآن ثم تفلت منه شيء كثير: لا تنظر إلى المصحف كله دفعة واحدة؛ لأنك حين ترى ثلاثين جزءا ضعيفا قد يصيبك الإحباط قبل أن تبدأ.
ابدأ بما تستطيع، ولكن ابدأ.
قسم المحفوظ، وشخص مواضع القوة والضعف، واجعل للمراجعة وردا ثابتا، ولا تنتقل بعشوائية كل يوم من موضع إلى آخر.
فالقرآن الذي تفلت لم يضع منك، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الصلة به.
وقد رأيت بعض الحفاظ يعاقب نفسه نفسيا كلما أخطأ:
كيف نسيت؟
كيف كنت أحفظ هذه السورة ثم أصبحت أتوقف فيها؟
وقد يصل به الأمر إلى أن يفسر كل نسيان بأنه بسبب ذنب معين.
ولا أحب هذا المسلك.
نعم، المعاصي تؤثر في القلب، والمؤمن يجاهد نفسه ويتوب دائما، لكن النسيان له أسباب بشرية وتعليمية كثيرة: ضعف المراجعة، وتراكم المحفوظ، والانقطاع، والإرهاق، وطريقة الحفظ نفسها، والفروق الفردية في الذاكرة. فلا نحول كل تعثر تعليمي إلى محاكمة إيمانية للإنسان.
ومن الخبرة التي تكونت عندي كذلك أن الحافظ يحتاج إلى مفاتيح ذهنية تساعده على استحضار مواضع القرآن.
ومن هنا جاءت بعض الأعمال المتعلقة بضبط بدايات الأحزاب والأرباع ونهاياتها بالجملة الإنشائية وغيرها من الوسائل التعليمية.
وهذه الوسائل ليست من القرآن، ولا نزعم لها فضيلة شرعية خاصة، وإنما هي أدوات تعليمية؛ إذا ساعدت الطالب على ترتيب خريطة المصحف في ذهنه والاستحضار وضبط المواضع كانت نافعة، وإذا وجد طالب وسيلة أصلح له أخذ بما يناسبه.
وأنا أؤمن في تعليم القرآن بقاعدة بسيطة:
الوسيلة خادمة للقرآن، وليست القرآن خادما للوسيلة.
فلا نقدس طريقة تعليمية، ولا نزعم أن هناك طريقة واحدة تصلح لكل الناس.
أما في باب التجويد والمخارج والصفات، فقد تعلمت أن هناك خطأين متقابلين:
من يستهين بالتجويد حتى تتغير الحروف وتضيع أحكام التلاوة، ومن يجعل التجويد من التعقيد بحيث يخاف الطالب أن يفتح فمه بالقرآن.
والصواب عندي أن نعلم الناس القراءة الصحيحة بدقة ورفق وتدرج.
الحرف العربي ليس رسما نراه على الورق فقط؛ له مخرج وصفة وأداء، والفرق بين حرف وحرف قد يكون في موضع دقيق جدا من جهاز النطق. ولهذا فإن دراسة المخارج والصفات مهمة لمن أراد إحسان التلاوة.
لكنني كنت أقول للطلاب بمعان مختلفة:
لا تجعلوا علم التجويد حاجزا بينكم وبين القرآن.
تعلموا، وأخطئوا أثناء التعلم، ودعوا المعلم يصحح لكم، وكرروا حتى يستقيم اللسان.
فالطالب الذي يخاف من الخطأ قد لا يتعلم، أما الذي يقبل التصحيح ويتدرج فإنه يتحسن يوما بعد يوم.
ومن الأمور المهمة جدا عندي أن التجويد علم تطبيقي.
يمكن أن تقرأ عشر صفحات في مخرج الضاد، لكن ذلك لا يغني عن أن يسمعك معلم متقن وأنت تنطقها.
وقد تعرف تعريف الغنة والمد والإخفاء والإدغام، ثم يبقى أداؤك محتاجا إلى تصحيح.
فالقرآن في جانب أدائه يؤخذ بالتلقي والمشافهة، ولا تكفي فيه المعرفة النظرية وحدها.
وأحب أن أنبه إلى شيء آخر تعلمته بعد سنوات التعليم:
ليس كل خطأ يحتاج إلى أن توقف الطالب عنده بالطريقة نفسها.
المعلم الناجح لا يصحح الحرف فقط، بل يعرف النفس التي أمامه.
هناك طالب يحتمل كثرة التصحيح.
وطالب مبتدئ إذا أوقفته عند كل جزئية في أول الطريق كسرت ثقته بنفسه.
وهناك كبير في السن يتعلم القرآن بعد عقود من اعتياد لسانه على نطق معين، فلا تعامل صعوبته كما تعامل طفلا مرن اللسان.
ولهذا أرى أن تعليم القرآن يحتاج إلى علم بالقرآن، وعلم بالإنسان أيضا.
ومن أجمل ما علمتني إياه هذه السنوات أن بعض الذين يظنون أنفسهم ضعفاء في الحفظ ليسوا ضعفاء كما يتصورون؛ وإنما لم يجدوا بعد الطريقة المناسبة لهم، أو أنهم حملوا أنفسهم فوق طاقتها، أو قارنوا بداياتهم بنهايات الآخرين.
وأقول دائما لطالب القرآن:
لا تستقل الصفحة الواحدة المتقنة.
صفحة تحفظها اليوم وتبقى معك خير من صفحات كثيرة تجمعها ثم تتساقط منك.
ولا تستقل عشر دقائق من المراجعة إذا كانت هي التي تستطيع المحافظة عليها.
فالاستمرار القليل يبني، والانقطاع الطويل يهدم.
ومع كل ذلك، هناك قضية أخشى أن تضيع وسط الحديث عن الحفظ والتجويد والمراجعة.
وهي:
لماذا نحفظ القرآن أصلا؟
يمكن أن يكون الإنسان متقنا للمخارج، ضابطا للمتشابهات، حافظا لأرقام الصفحات والأجزاء والأحزاب، ثم تكون المسافة كبيرة بين القرآن وسلوكه.
وهنا وقعنا في مشكلة أكبر من مشكلة النسيان.
لأن الغاية ليست أن يحمل العقل خريطة المصحف فقط…
بل أن يحمل القلب هدايته.
أنا أفرح بالطالب حين يصحح حرفه، وأفرح أكثر حين تصحح الآية خلقه.
أفرح حين يضبط لسانه في التلاوة، وأفرح أكثر حين يضبط القرآن لسانه عن الغيبة والكذب والأذى.
وأفرح حين لا يخطئ في موضع الوقف، ولكنني أريد معه أن يعرف أين يقف في حياته عندما تعرض عليه حدود الله.
وهذه هي عصارة تجربتي التي أحب أن تصل إلى كل حافظ وقارئ ومعلم:
احفظوا القرآن، وراجعوه، وأتقنوا حروفه، وتعلموا أحكام تلاوته، وخذوه عن أهله، واستعملوا من الوسائل التعليمية ما يعينكم عليه… ولكن لا تسمحوا للوسيلة أن تنسيكم الغاية.
فليست أعظم منزلة للقرآن أن يكون محفوظا في الذاكرة…
بل أن يكون محفوظا في الصدر، ظاهرا على اللسان، حاضرا في القلب، ومشاهدا أثره في الحياة.
س8- لنمر سريعا على كتابك البديع الآخر : ” الأربعون القرآنية من كلام خير البرية”، فهل تناول هذا الكتاب الربط بين الأحاديث القدسية والنبوية مع مضمون وتعاليم وأحكام الآيات القرآنية ..أم ماذا تحديدا؟
-في الحقيقة، الكتاب لا يقوم على الربط بين الأحاديث القدسية والنبوية وبين مضامين الآيات القرآنية على النحو الذي قد يوحي به العنوان، وإنما فكرته أبسط من ذلك وأقرب إلى التحفيز على صحبة كتاب الله تعالى.
فقد اخترت فيه أربعين حديثا نبويا صحيحا تتعلق بالقرآن الكريم؛ في فضله، وفضل تلاوته، وحفظه، وتعلمه وتعليمه، وتعاهده، والعمل به، وما أعده الله لأهله من فضل.
ثم شرحت كل حديث شرحا يسيرا مبسطا، بعيدا عن الاستطراد والتفصيل العلمي المطول؛ لأن غايتي من الكتاب لم تكن تقديم دراسة حديثية موسعة، وإنما أن أضع بين يدي القارئ أربعين نافذة من كلام النبي ﷺ تطل به على عظمة القرآن ومكانته في حياة المسلم.
وأردت من القارئ ألا يمر على أحاديث فضائل القرآن باعتبارها نصوصا نعرفها ونكررها فحسب، بل أن يسأل نفسه بعد كل حديث:
ما نصيبي من هذا الحديث؟
فإذا قرأ في فضل التلاوة، نظر في ورده.
وإذا قرأ في فضل تعلم القرآن وتعليمه، سأل نفسه عما يبذله في هذا الباب.
وإذا قرأ في تعاهد القرآن، راجع علاقته بمحفوظه.
وإذا قرأ فيما ينبغي أن يصنعه القرآن في صاحبه، انتقل من مجرد الحفظ والتلاوة إلى العمل والاهتداء.
ولهذا يمكنني أن ألخص رسالة “الأربعون القرآنية من كلام خير البرية” بأنها:
أربعون حديثا صحيحا، بشرح سهل ومختصر، أريد بها أن يخرج القارئ وهو أشد شوقا إلى القرآن، وأكثر تعلقا بتلاوته وحفظه وتعلمه والعمل به.
فالكتاب في جوهره كتاب تحفيز وتذكير وتربية على صحبة القرآن من خلال ما صح عن رسول الله ﷺ في شأن كتاب الله تعالى.
س9 – سبق لكم وأن طرحتم العديد من التساؤلات الحائرة على جمهوركم الكريم وذلك من خلال حلقاتكم المتتالية على قناتكم في اليوتيوب،ولعل أشد ما لفت انتباهي منها هو” موانع تدبر القرآن …لماذا نقرأ ولا نتغير؟ لماذا نستغفر ولا نعتبر ؟ لماذا ندعو ولا يستجاب لنا ؟ ونحوها من أسئلة وجدانية وعاطفية تجهد تفكير الكثيرين وترهق أذهانهم، فما هي خلاصة الإجابات عليها لمن فاتته المشاهدة ، أو لمن لم يتسن له ذلك ؟
-هذه الأسئلة لم أطرحها لأزيد الناس حيرة، وإنما لأوقظ فيهم سؤالا أراه من أهم أسئلة التدين:
لماذا نعرف كثيرا، ونقرأ كثيرا، ونسمع كثيرا، ولكن قد يكون التغيير أقل بكثير مما نعرف ونقرأ ونسمع؟
نحن نعيش في زمن لم تعد فيه المشكلة دائما ندرة المعلومة الدينية. بين يدي الإنسان اليوم آلاف الدروس والمحاضرات والتفاسير والمواعظ، ويمكنه خلال دقائق أن يصل إلى ما كان طالب العلم يقطع المسافات للحصول عليه.
ومع ذلك يبقى السؤال:
هل ازدياد المعلومات يعني بالضرورة ازدياد الهداية في السلوك؟
والجواب: لا.
لأن المعرفة باب، وليست نهاية الطريق.
لماذا نقرأ القرآن ولا نتغير؟
ليس لأن القرآن لا يؤثر، حاشاه، وإنما لأن هناك فرقا بين مرور القرآن على العين واللسان، ودخوله إلى القلب وتحوله إلى موقف وعمل.
قد يقرأ الإنسان آيات الكبر وهو يبحث عن المتكبرين حوله.
ويقرأ آيات الحسد وهو يفكر فيمن يحسده.
ويقرأ آيات الظلم ولا يتذكر إلا من ظلمه.
ويقرأ آيات التوبة وهو يؤجل توبته.
وهكذا يصبح القرآن مرآة نضعها أمام الآخرين، بينما أنزلها الله هداية لنا جميعا.
ومن موانع التدبر كذلك: القراءة المستعجلة، والذنوب، والغفلة، والإصرار على الهوى، والانشغال بالبحث عن الغريب والمدهش، والقراءة بلا فهم، أو الفهم بلا محاسبة، أو التأثر اللحظي الذي لا يعقبه قرار.
ولهذا أكرر:
لا تسأل فقط: كم قرأت من القرآن؟
اسأل: ماذا فعل القرآن بي؟
قد تكون آية واحدة فهمتها ووقفت عندها وغيرت بسببها خلقا فيك أعظم أثرا في حياتك من صفحات كثيرة مررت عليها وقلبك في مكان آخر.
ولماذا نستغفر ولا نعتبر؟
لأن الاستغفار قد يتحول أحيانا إلى حركة لسان لا يصاحبها حضور قلب ولا مراجعة طريق.
والاستغفار عبادة عظيمة، ولا ينبغي أن نقلل من شأن ذكر الله باللسان، لكن كمال الاستغفار ليس أن تقول: “أستغفر الله” ثم تصر على الطريق نفسه وأنت لا تريد مغادرته.
هناك فرق بين مذنب يضعف ثم يندم ويستغفر ويجاهد نفسه، وقد يعود إلى الذنب مرة أخرى من ضعفه، وبين إنسان جعل الاستغفار مسكنا للضمير حتى يستمر في المعصية مطمئنا.
الأول يجاهد.
والثاني قد يكون يبرر.
ولذلك ليست القضية: هل وقعت مرة أخرى؟
بل:
ماذا يحدث في قلبك بعد أن تقع؟
هل يؤلمك الذنب؟
هل تعود إلى الله؟
هل تبحث عن أسبابه ومداخله؟
هل تغلق الأبواب التي تعيدك إليه؟
هل ترى في كل سقطة درسا يجعلك أعرف بضعفك وأشد افتقارا إلى ربك؟
فالاستغفار الحقيقي لا يجعلك معصوما من أن تضعف مرة أخرى، ولكنه يمنعك من أن تتصالح مع الذنب.
أما سؤال: لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟
فأنا أتحفظ أولا على صياغة “لا يستجاب لنا”.
لأننا لا نملك أن نجزم أن الله لم يستجب لمجرد أننا لم نحصل على الصورة التي طلبناها وفي الوقت الذي حددناه.
النبي ﷺ بين أن دعاء المسلم لا يضيع؛ فقد يعجل الله له ما سأل، وقد يدخر له، وقد يصرف عنه من السوء بسببه.
وهنا تعلمت أن من أخطر الأخطاء أن نحول الدعاء إلى معادلة:
دعوت = يجب أن أحصل الآن على ما طلبت.
الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبا.
وأنت حين تدعو لا تتعامل مع قوة تنفذ رغبتك، وإنما مع رب حكيم رحيم يعلم وأنت لا تعلم.
قد تطلب شيئا وتراه الخير كله، والله يعلم أن الخير في تأخيره.
وقد يكون الخير في صرفه عنك.
وقد يعطيك الله ما طلبت، ولكن بعد أن يهيئك له.
وقد يمنع عنك شرا لم تره أصلا.
وقد يدخر لك من دعائك ما تتمنى يوم القيامة لو أن كثيرا من دعواتك في الدنيا لم تعجل لك.
وهذا لا يعني أنه ليست هناك موانع لإجابة الدعاء؛ فقد جاءت النصوص بالتحذير من الحرام، والاعتداء في الدعاء، والاستعجال، وغير ذلك.
لكن الخطأ أن يرى الإنسان كل دعاء تأخر مطلوبه فيقول:
لابد أن الله غاضب علي.
أو:
لابد أن عندي ذنبا منع الإجابة.
لا نملك هذا الحكم.
وقد دعا الأنبياء وانتظر بعضهم زمنا، ولم يكن تأخر المطلوب دليلا على بعدهم من الله.
وما الذي يجمع هذه الأسئلة كلها؟
في تقديري، يجمعها شيء واحد:
أننا نحتاج إلى الانتقال من شكل العبادة إلى روحها وأثرها، دون أن نهدم الشكل أو نقلل من شأنه.
نقرأ القرآن… ونحتاج أن نتدبر.
نستغفر… ونحتاج أن نتوب ونراجع أنفسنا.
ندعو… ونحتاج مع الدعاء إلى حسن الظن بالله والتسليم لحكمته.
نتعلم… ونحتاج أن نعمل.
نسمع الموعظة… ونحتاج أن نسأل بعدها: ما الخطوة التي سأغيرها؟
ولهذا فإن السؤال الذي ظل يرافقني في كثير من محاضراتي ومؤلفاتي ليس:
كم يعرف الإنسان عن دينه؟
وإنما:
كم دخل مما يعرفه إلى قلبه، وكم خرج من قلبه إلى حياته؟
فالمشكلة ليست دائما في نقص المواعظ.
قد نحتاج أحيانا إلى موعظة أقل…
ووقفة أطول أمام الموعظة التي سمعناها.
وليست المشكلة دائما أننا لم نقرأ الآية.
قد تكون المشكلة أننا قرأناها ولم نقف أمامها بما يكفي لنسمع سؤالها الموجه إلينا.
ولهذا أقول:
لا تجعل القرآن كتابا تنتهي علاقتك به عندما تغلق المصحف.
ولا تجعل الاستغفار كلمة تنتهي عندما يسكت لسانك.
ولا تجعل الدعاء علاقة تنتهي إذا تأخر المطلوب.
فالعبادات لم تأت لتملأ أوقاتنا فحسب…
بل لتبني الإنسان الذي يعبد الله في هذه الأوقات وما بينها.
وهذه عندي خلاصة تلك الأسئلة كلها:
ليس المهم فقط أن تؤدي العبادة، بل أن تبقى بعد العبادة تبحث في نفسك عن أثرها.
س10- لن أختم الحوار مع جنابك الكريم قبل أن أسألك السؤال الأجمل والأرق والأبرز عن كتابك الأشهر: (رَبـِحْتُ محمداً ﷺ وَلَمْ أَخْسَرِ المسِيحْ – قصة إسلام دريد متى بطرس- ) فضلا وليس أمرا أتمنى أن توجه كلامك تحديدا لكل من يريد أن يعتنق الإسلام العظيم في أرجاء المعمورة بصدق وإخلاص وعن قناعة، إلا أنه يخشى واهما ليستبد به القلق من أنه قد يخسر السيد المسيح عليه السلام بذلك .
-ربما يكون هذا السؤال أقرب أسئلة الحوار إلى قلبي؛ لأنه لا يسألني عن كتاب ألفته فحسب، بل عن رحلة عشتها، وعن قرار غيّر حياتي كلها.
ولذلك اسمحوا لي ألا أجيب هذه المرة عن نفسي فقط، بل أن أتوجه بالكلام مباشرة إلى كل إنسان في هذا العالم يقف اليوم حيث وقفت أنا يوما…
إلى ذلك الإنسان الذي بدأ قلبه يقترب من الإسلام، ويقرأ القرآن، ويسأل، ويبحث، وربما بدأ يقتنع…
ولكنه كلما اقترب خطوة شعر بخوف في داخله يقول له:
إذا أصبحت مسلما… فهل سأخسر المسيح؟
أقول لك من قلب إنسان عرف هذا السؤال قبل أن يكتب عنه:
لا تخف من البحث عن الحقيقة.
ولا تدخل الإسلام من أجلي، ولا من أجل مسلم أحببته، ولا بسبب خطيب أثرت فيك كلماته، ولا بسبب ظرف عاطفي عابر.
اقرأ.
واسأل.
وابحث.
وتثبت.
وادع الله بصدق أن يهديك إلى الحق، ولو كان الحق على خلاف ما اعتدت عليه طوال حياتك.
فالإيمان أعظم من أن يبنى على مجاملة، وأقدس من أن يكون ثمرة اندفاع عاطفي مؤقت.
أما خوفك من خسران المسيح عليه السلام…
فهنا أقول لك العبارة التي اختصرت بها قصة عمري:
أنا حين أسلمت لم أخسر المسيح…
أنا ربحت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ولم أخسر المسيح عليه السلام.
لم يطلب مني الإسلام أن أمحو اسم المسيح من قلبي.
ولم يطلب مني أن أسخر منه أو أتنكر له أو أسيء إليه.
بل فتحت القرآن، فوجدت عيسى ابن مريم عليه السلام أمامي.
وجدت اسمه يتلى في صلاتنا وقرآننا.
ووجدت أمه مريم عليها السلام، المرأة الطاهرة المصطفاة، وقد سمى القرآن سورة كاملة باسمها: سورة مريم.
وقرأت قول الله تعالى:
﴿إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾.
وقرأت عن المسيح عليه السلام:
﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾.
وقرأت:
﴿ورسولا إلى بني إسرائيل﴾.
وقرأت أن المسلم لا يكتمل إيمانه إذا آمن بمحمد ﷺ وكفر بعيسى أو موسى أو إبراهيم أو غيرهم من رسل الله.
وهنا حدث في داخلي تحول عميق:
اكتشفت أن السؤال الذي كان يخيفني قد صيغ في ذهني بطريقة غير صحيحة.
لم تعد المسألة عندي:
المسيح أم محمد؟
بل أصبحت:
هل أستطيع أن أؤمن بالمسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلا منهما في المنزلة التي أنزله الله إياها؟
وفي الإسلام وجدت الجواب: نعم.
أحب عيسى عليه السلام.
وأؤمن بنبوته ورسالته ومعجزاته التي أيده الله بها.
وأؤمن بميلاده العظيم من مريم عليها السلام من غير أب.
وأدافع عن مقامه ونبوته.
ثم أؤمن بمحمد ﷺ خاتم النبيين ورسول الله إلى الناس.
فماذا خسرت من المسيح؟
لم أخسره… وإنما تغيرت معرفتي به.
انتقلت من الاعتقاد بألوهيته إلى الإيمان به نبيا ورسولا كريما من أولي العزم من الرسل، وعبدا لله تعالى.
وأعلم أن هذه الجملة قد تكون ثقيلة على إنسان نشأ منذ طفولته على عقيدة أخرى.
وأنا أحترم ثقلها عليه.
لأن تغيير المعتقد ليس تغيير كتاب على رف، ولا تغيير اسم في بطاقة.
إنه زلزال داخلي.
وربما يكون وراءه أب وأم وأسرة وذكريات وكنيسة وأعياد وطفولة وأصدقاء ومجتمع كامل.
وأعرف أن بعض الناس لا يخافون من الإسلام نفسه بقدر ما يخافون مما سيخسرونه إذا أسلموا.
قد تقول:
ماذا سيقول أبي؟
ماذا ستفعل أمي؟
هل سأخسر أسرتي؟
هل سيتركني أصدقائي؟
هل سأصبح غريبا بين الذين عشت معهم؟
وأقول لك:
لا أستخف بأي خوف من هذه المخاوف.
فأنا أعرف أن العقيدة حين تدخل حياة الإنسان لا تدخل إلى العقل وحده؛ تدخل إلى شبكة كاملة من العلاقات والذكريات والانتماءات.
لكن هناك سؤالا لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنك:
إذا تبين لك أن هذا هو الحق من عند الله… فماذا ستفعل؟
هنا تصبح القضية بينك وبين الله.
لا بينك وبين دريد.
ولا بينك وبين المسلمين.
ولا بينك وبين المجتمع.
بينك وبين الله.
ولهذا لا أريد منك أن تبدأ بقراءة قصتي.
ابدأ بقراءة القرآن.
اقرأه بقلب الباحث، لا بقلب من يريد أن ينتصر لما ورثه، ولا بقلب من يريد أن يهدم ما ورثه.
قل:
يا رب، إن كنت تعلم أن هذا هو الحق فاهدني إليه، ولا تجعل خوفي من الناس أكبر من رغبتي في معرفتك.
ثم اقرأ.
وحين تصل إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، لا تمر سريعا.
اسمع ماذا يقول القرآن عنه.
واسمع ماذا يقول عن أمه.
واسمع ماذا يقول عن الأنبياء جميعا.
ثم احكم بنفسك.
وأريد أن أقول شيئا آخر لكل مسلم يقرأ هذه الكلمات:
لا تجعل سوء أخلاقك حجابا بين إنسان وبين الإسلام.
لا تطلب من المسيحي أن يقرأ جمال القرآن ثم يقرأ في معاملتك قسوة تناقضه.
ولا تحدثه عن رحمة محمد ﷺ ثم تسيء إليه لأنه لم يقتنع بعد.
ولا تسخر من معتقده ثم تطلب منه أن يستمع إليك بقلب مفتوح.
إن كنت تريد أن تدعوه إلى الإسلام، فأعنه على أن يرى الإسلام كما هو، لا كما شوهته أخطاؤنا.
أما أنت، يا من تقف اليوم على الباب…
فخذ وقتك في البحث.
ولكن كن صادقا مع نفسك.
لا تجعل الخوف دليلا.
ولا تجعل الموروث دليلا لمجرد أنه موروث.
ولا تجعلني أنا دليلا.
ابحث عن الدليل.
فأنا أيضا كان عليَّ أن أفعل ذلك يوما.
وقد فعلت.
ثم جاء يوم 23 كانون الثاني 1992…
اليوم الذي لا أعده مجرد تاريخ اعتناق دين، وإنما ميلاد آخر في حياتي.
دخلت الإسلام.
ومرت منذ ذلك اليوم أربعة وثلاثون عاما.
تعلمت فيها، وأخطأت، وأصبت، وضعفت، وقويت، ومررت بأيام عافية وأيام ابتلاء، وما زلت إلى هذه اللحظة أتعلم ديني وأكتشف مقدار جهلي.
ولكن هناك شيئا واحدا أستطيع أن أقوله لك بعد هذه الرحلة كلها:
لم أستيقظ يوما وأنا أشعر أن الإسلام أخذ مني المسيح.
بل أصبحت إذا سمعت اسم عيسى عليه السلام قلت:
نبي الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وإذا سمعت اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلت:
رسول الله وخاتم النبيين.
وإذا ذكرت موسى وإبراهيم ونوحا وسائر الأنبياء عليهم السلام…
شعرت أنني أنتمي إلى سلسلة الإيمان كلها.
فالإسلام لم يعلمن أن أبني إيماني على خصومة بين أنبياء الله.
بل علمني أن أقول:
﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾.
ولهذا سميت كتابي:
“ربحت محمدا ولم أخسر المسيح”.
لم يكن العنوان حيلة أدبية.
كان وصفا لما حدث لي.
كنت أخشى أن يكون الطريق إلى محمد ﷺ طريقا يبعدني عن المسيح عليه السلام…
فاكتشفت أن القرآن الذي عرفني بمحمد هو نفسه الذي أمرني بالإيمان بالمسيح.
واكتشفت شيئا أعظم:
أن القضية في النهاية لم تكن محمداً أو المسيح.
القضية كانت:
من هو الله؟
وماذا يريد مني الله؟
وأي طريق أوصلني إليه كما يريد هو، لا كما أريد أنا؟
وهذا هو السؤال الذي أتركه بين يدي كل باحث صادق.
لا أسألك أن تختار بين رجلين عظيمين من رسل الله.
أسألك أن تبحث بصدق عن رب الرجلين.
فإذا عرفته كما عرّف نفسه إليك…
ستعرف أين تضع المسيح.
وستعرف أين تضع محمدا.
وستعرف أين تضع نفسك.
وحينها قد تكتشف ما اكتشفته أنا قبل أربعة وثلاثين عاما:
أنك لم تكن تبحث عن دين جديد فحسب…
كنت تبحث عن الطريق إلى الله.
س11:هل في جعبتك كتب أخرى جديدة سنراها لنستمتع بتقليب الطرف في صفحاتها، وإمعان النظر في سطورها وكلماتها في قابل الأيام ؟
-نعم، والحقيقة أن في الجعبة أكثر مما يسمح به الوقت والطاقة، وأحيانا أقول لنفسي: ليت العمر يتسع لكل ما أريد أن أكتبه!
لقد أصبحت الكتابة في السنوات الأخيرة جزءا أساسيا من رسالتي، ولا سيما أنني بت أجد فيها مساحة تسمح لي بأن أقدم الفكرة بهدوء وعمق أكبر مما تسمح به أحيانا المحاضرة أو المقطع المرئي.
وهناك مجموعة من المشروعات والكتب التي أعمل عليها أو أخطط لها، وكل واحد منها يقترب من الإنسان والقرآن من زاوية مختلفة.
منها مشروع “حتى يغيرك القرآن”، وهو من المشروعات العزيزة عليَّ؛ لأن فكرته تقوم على الانتقال من تفسير الآية وفهمها إلى التأمل في هداياتها، ثم الوقوف أمام “مرآة الواقع”، والسؤال: أين نحن من هذه الآية؟ وكيف تتحول من نص نقرؤه إلى هداية نعيشها؟
وهناك “مائة مرض في قلوبنا”، وهو مشروع أعمل عليه في أجزاء، وأحاول فيه تشريح أمراض القلب التي قد تسكن الإنسان وهو لا يشعر: من الكبر والعجب والرياء، إلى الحسد والحقد وسوء الظن والتعصب، وصولا إلى أمراض الهوى والتعلق وغيرها. وشعار الكتاب الذي يلخص فكرته:
“لا تقرأ هذا الكتاب لتبحث عن شخص تعرفه بين صفحاته؛ اقرأه وأنت تبحث عن نفسك”.
وهناك مشروعات أخرى تتصل بالسيرة النبوية، والدعاء، والطهارة، والاتباع، وتزكية القلوب، وتعليم القرآن وإتقانه، إضافة إلى أعمال قرآنية أوسع ما زالت في طور البناء والمراجعة.
لكن المشروع الأكبر الذي يشغلني، والذي أرى أن كثيرا مما أكتبه يصب فيه بطريقة أو بأخرى، هو مشروع أسميه:
“بناء الإنسان بالوحي”.
لأنني بعد سنوات من التعليم والتأليف والمحاضرات ازددت اقتناعا بأن أزمتنا ليست أزمة معلومات فقط.
نحن نملك مكتبات ضخمة، ومحاضرات لا تنتهي، ومحتوى دينيا يصل إلينا في كل ساعة…
لكن السؤال الذي يقلقني هو:
أي إنسان تصنعه كل هذه المعرفة؟
هل صنعت إنسانا أصدق؟
أرحم؟
أكثر إنصافا؟
أقل تعلقا بنظر الناس؟
أقوى أمام شهوته؟
أحسن خلقا مع أسرته؟
أشد معرفة بربه؟
وأكثر استعدادا للآخرة؟
من هنا جاء اهتمامي بفكرة بناء الإنسان بالوحي؛ لأن القرآن لم ينزل ليضيف إلى ذاكرتنا معلومات فحسب، وإنما ليعيد بناء تصوراتنا وقلوبنا وأخلاقنا وقراراتنا وعلاقاتنا بالله وبأنفسنا وبالناس.
ومع ذلك، هناك أمر أحرص عليه في كل ما أكتب:
لا أريد أن أكتب لمجرد أن يزداد عدد كتبي.
لا يعنيني أن يقال إن لي عشرات المؤلفات إذا كانت ستضاف إلى رفوف المكتبات ولا تضيف شيئا إلى حياة قارئ.
أريد، ما استطعت، أن يكون لكل كتاب سؤال حقيقي جاء ليعالجه، وجرح يريد أن يضع عليه شيئا من دواء الوحي، وباب يريد أن يفتح منه القارئ على نفسه وعلى ربه.
ولذلك فإنني أتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون إنتاجا.
وقد بدأت في مرحلة من حياتي أشعر بقيمة مختلفة للكتاب؛ فالمحاضرة تنتهي، والصوت يسكت، وربما يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أتكلم، أما الكلمة المكتوبة فقد تبقى بعد صاحبها وتصل إلى إنسان لم يره ، ولم يره صاحبها.
ولهذا أحببت أن تكون كتبي بصيغة إلكترونية متاحة مجانا، وأذنت بطباعتها وترجمتها، راجيا ألا تكون ملكا شخصيا أحرسه، وإنما صدقة جارية ينتفع بها الناس ما بقي منها شيء.
ولا أعرف كم بقي لي من العمر، ولا كم مشروعا سأستطيع إتمامه من كل ما يدور في ذهني.
لكنني أعرف ما أتمناه:
أن أكتب ما دام في الكتابة نفع، وأن أتوقف يوم تصبح فيه الكتابة مجرد رغبة في أن يبقى اسمي حاضرا.
فأنا لا أريد من القارئ حين يغلق آخر صفحة أن يقول:
ما أجمل ما كتب دريد.
بقدر ما أتمنى أن يقول:
هناك شيء في داخلي ينبغي أن يتغير.
إذا فعل كتاب واحد من كتبي ذلك بإنسان واحد …فقد بلغ عندي غايته.
س12:” مائة مرض في قلوبنا..رحلة في اكتشاف أمراض القلب وعلاجها بالوحي ” سلسلة دروس ومحاضرات قيمة بأجزاء وحلقات عدة ، فما هي أخطر هذه الأمراض ، وما هو علاجها برأيك ؟
-لو سألتموني: ما أخطر مرض من أمراض القلب المائة؟
فسأقول: قد لا يكون الأخطر اسما واحدا من هذه الأسماء.
أخطر ما يصيب القلب أن يمرض… ثم لا يرى أنه مريض.
فالحسد خطير، والكبر خطير، والرياء خطير، والحقد خطير، والتعلق بالدنيا خطير، واتباع الهوى خطير…
لكن الإنسان إذا اكتشف مرضه وتألم منه وطلب علاجه، فقد وضع قدمه على طريق العافية.
أما الخطر الحقيقي فيبدأ حين يتحول المرض في عين صاحبه إلى فضيلة.
فيصبح الكبر عنده كرامة.
والعناد ثباتا.
والحسد غيرة على الحق.
وسوء الظن فراسة.
والقسوة قوة شخصية.
والتعصب وفاء.
والانتصار للنفس دفاعا عن الدين.
وتتبع عورات الناس نصيحة.
والرياء حرصا على التأثير.
هنا يصبح العلاج أصعب؛ لأنك لا تستطيع معالجة مرض يصر صاحبه على تسميته صحة.
ولهذا كان من أخطر أمراض القلب عندي أيضا تزكية النفس؛ لأن القلب إذا اقتنع بأنه بخير، أغلق الباب الذي يدخل منه الإصلاح.
وقد يرى الإنسان عيوب عشرات الناس ولا يرى عيبا واحدا في نفسه.
يحفظ أوصاف المتكبرين، ولا يسأل: هل في قلبي كبر؟
ويقرأ عن الحسد، فيتذكر شخصا حسده.
ويقرأ عن النفاق، فيبحث عن المنافقين حوله.
ويقرأ عن الظلم، فلا يتذكر إلا الذين ظلموه.
ولهذا وضعت في صدر هذا المشروع عبارة أحب أن ترافق القارئ في كل أجزائه:
“لا تقرأ هذا الكتاب لتبحث عن شخص تعرفه بين صفحاته؛ اقرأه وأنت تبحث عن نفسك”.
فالكتاب ليس موسوعة تساعدنا على تشخيص الناس.
إنه محاولة لأن يقف كل واحد منا أمام قلبه.
وما علاج أمراض القلب؟
أول العلاج عندي هو الصدق مع النفس.
أن تكون لديك الشجاعة لتقول:
نعم، أنا أحسد.
نعم، في نفسي كبر.
نعم، أحب المدح أكثر مما ينبغي.
نعم، أجد صعوبة في الاعتذار.
نعم، أفرح أحيانا بزلة من أخالفه.
نعم، أبرر لنفسي ما أدين به غيري.
هذا الاعتراف ليس سقوطا.
بل قد يكون بداية النهوض.
ثم يأتي العلاج الأعظم: الوحي.
ولذلك لم أسم السلسلة “اكتشاف أمراض القلب” فقط، وإنما:
“رحلة في اكتشاف أمراض القلب وعلاجها بالوحي”.
فالقرآن عجيب في كشف القلب للإنسان.
يحدثك عن الكبر، والحسد، والرياء، والهوى، والنفاق، والشح، والغل، وحب الدنيا، وسوء الظن، والظلم…
لكنه لا يفعل ذلك ليعطيك قاموسا نفسيا فحسب.
إنه يكشف المرض، ويكشف جذره، ويبين عاقبته، ثم يأخذ بيدك إلى العلاج.
والسنة النبوية تكمل هذا البناء بالتوجيه العملي والتربية والمجاهدة.
لكن العلاج بالوحي لا يعني أن تقرأ آية عن المرض ثم تتوقع أن يختفي في اللحظة نفسها.
تزكية القلب رحلة.
فالذي بنى في قلبه عشرين عاما من الحسد قد يحتاج إلى مجاهدة طويلة حتى يطهر قلبه منه.
والذي عاش عمره ينتظر مدح الناس لن يتحرر من أعينهم بقراءة موعظة واحدة.
والذي اعتاد الانتصار لنفسه سيحتاج إلى مواقف كثيرة يتعلم فيها كيف يفرح بأن يكون الحق أكبر منه.
ولهذا فالعلاج يحتاج، بعد معرفة المرض، إلى مراقبة ومجاهدة وتوبة ودعاء وعمل متكرر.
إذا كان مرضك الحسد، فلا يكفي أن تعرف أن الحسد حرام؛ تعلم أن تدعو بالبركة، وأن تنسب الفضل إلى الله، وأن تراقب قلبك حين ينجح غيرك.
وإذا كان مرضك الكبر، فتعلم قبول الحق ممن جاء به، ولو جاءك ممن هو أصغر منك أو أقل منك مكانة.
وإذا كان مرضك الرياء، ففتش عن أعمال بينك وبين الله لا يعرف بها أحد.
وإذا كان مرضك الحقد، فتعلم العفو، ولا تجعل سلام قلبك رهينة باعتذار إنسان.
وإذا كان مرضك حب المدح، فاسأل نفسك بعد الثناء: هل كنت سأفعل هذا لو لم يرني أحد؟
وإذا كان مرضك التعصب، فدرب نفسك على أن تقول عن خصمك: أصاب، حين يصيب، وعن من تحب: أخطأ، حين يخطئ.
وهكذا يتحول الوحي من معلومات عن المرض إلى برنامج علاج.
وهناك أمر أراه ضروريا جدا:
لا تيأس حين تكتشف كثرة أمراضك.
لقد فوجئت حين بدأت أنشر بعض مواد هذه السلسلة بأن بعض القراء أصابهم خوف شديد، حتى قال بعضهم بمعنى الكلام: إذا كانت فينا كل هذه الأمراض، فكيف ننجو؟
وأنا أقول:
الغاية من معرفة المرض ليست أن تكره نفسك، وإنما أن تعرف أين تبدأ إصلاحها.
حين يخبرك الطبيب أن لديك مرضا، لا تكون المشكلة في أنه اكتشفه.
المشكلة لو بقي المرض فيك وأنت لا تعلم.
وكذلك القلب.
اكتشاف المرض رحمة إذا قاد إلى العلاج.
ولا ينبغي كذلك أن يتحول مشروع تزكية النفس إلى وسواس دائم، فيجلس الإنسان طوال يومه يفتش في كل خاطرة ويقول: هل أنا منافق؟ هل أنا مراء؟ هل أنا حاسد؟ هل أنا متكبر؟
هذا ليس مقصود التزكية.
المقصود أن تعرف قلبك، وتراقبه باعتدال، وتعالج ما يظهر لك، ثم تسير إلى الله برجاء وحسن ظن به.
فنحن لا نبحث عن قلب لم يمرض قط.
نحن نبحث عن قلب إذا مرض عرف طريق العلاج، وإذا أذنب عرف طريق التوبة، وإذا زاغ عرف طريق العودة.
ولهذا أكرر في هذا المشروع أن أمراض القلب مثل النار؛ أسهل ما تكون إطفاء حين تكون شرارة.
لا تنتظر الحسد حتى يصبح حقدا.
ولا تنتظر الإعجاب بالنفس حتى يصبح كِبرا.
ولا تنتظر حب المدح حتى تصبح حياتك كلها معلقة بأعين الناس.
ولا تنتظر الذنب حتى تزول وحشته من قلبك.
راقب الشرارة.
وعالجها مبكرا.
ولو أردت أن أختصر منهج العلاج كله في كلمات قليلة لقلت:
اكتشف مرضك، ولا تُبرره.
اعرضه على الوحي، ولا تعرض الوحي على هواك.
اعرف سببه، وأغلق مداخله.
جاهد نفسك في ضده.
استعن بالله، وأكثر من الدعاء والتوبة.
ولا تيأس إذا طال العلاج.
فالقلوب لا تصلح بقوة أصحابها وحدهم.
نحن نجاهد ونأخذ بالأسباب، ولكننا نظل فقراء إلى الله، نسأله كما كان من دعاء النبي ﷺ:
“يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك”.
وفي النهاية، لا أريد من قارئ “مائة مرض في قلوبنا” أن يصل إلى الصفحة الأخيرة وهو يحمل قائمة أطول بعيوب الناس.
أريده أن يصل إليها وقد أصبح أقل انشغالا بقلوب الآخرين، وأكثر عناية بقلبه.
لأن السؤال الذي سيعنينا في النهاية ليس:
كم مرضا اكتشفت في الناس؟
بل: ماذا فعلت بالقلب الذي ستلقى الله به؟
س13 : كلمة أخيرة لكل محبيك في أرجاء العالمين العربي والإسلامي .
-في الكلمة الأخيرة يصعب علي أن أقول: “إلى محبي”، لأنني أشعر أن محبتهم وحسن ظنهم بي أكبر مما أستحق.
لكنني أقول لكل من أحبني، أو قرأ لي، أو استمع إلى درس، أو حمل كتابا من كتبي، أو دعا لي يوما بظهر الغيب:
جزاكم الله عني خيرا، وأحبكم الله الذي أحببتموني فيه.
وأرجوكم ألا تجعلوا محبتكم لي متعلقة بشخصي.
فالأشخاص يضعفون، ويتغيرون، ويخطئون، ويرحلون.
تعلقوا بالحق الذي نحاول جميعا أن نسير إليه.
إن أصبت فخذوا ما أصبت فيه، وإن أخطأت فقوموني، ولا تجعلوا حسن ظنكم بي حاجزا بيني وبين التصحيح.
لقد قلتها كثيرا، وما زلت أقولها:
أنا طالب علم بسيط، أتعلم كما تتعلمون، وأحتاج إلى من ينصحني كما تحتاجون، ولا أريد أن يأتي يوم تصبح فيه محبة الناس لي سببا لأن يخافوا من تصحيح خطئي.
الحق أكبر مني، وأكبر منكم، وأكبر من كل من نحبه.
وإذا كان لي أن أترك بين أيديكم وصية واحدة بعد هذه السنوات كلها، فهي:
لا تسمحوا لأحد أن يأخذ منكم الله.
لا تأخذكم الدنيا منه.
ولا الشهرة.
ولا المال.
ولا الألم.
ولا الذنب.
ولا الناس.
ولا حتى خلافاتكم في الدين.
وإذا أذنبتم، فلا تيأسوا.
وإذا ضعفتم، فلا تتركوا الطريق.
وإذا تعثرتم، فعودوا.
وإذا ضاقت بكم الدنيا،فلا تقرؤوا ضيق اللحظة وكأنه نهاية القصة.
واعلموا أن أعظم مشروع يمكن أن تعملوا عليه في هذه الحياة ليس صورتكم أمام الناس…
بل القلب الذي ستلقون الله به.
اقرؤوا القرآن، ولكن لا تجعلوا غايتكم أن تصلوا إلى آخر الصفحة؛ اجعلوا للقرآن طريقا من الصفحة إلى القلب، ومن القلب إلى الحياة.
تعلموا دينكم، ولكن لا تجعلوا العلم سببا لتروا أنفسكم فوق الناس.
كلما ازددتم علما، ازداد تواضعكم.
وكلما ازددتم عبادة، ازدادت رحمتكم.
وكلما اقتربتم من القرآن، أصبحتم أشد خوفا من ظلم إنسان أو كسر قلب أو أكل حق.
وربوا أبناءكم على أن يعرفوا الله قبل أن يعرفوا كثيرا من التفاصيل عنه.
اجعلوهم يحبون الصلاة قبل أن تصبح عندهم مجرد واجب ثقيل.
وعرفوهم بالنبي ﷺ قبل أن يتعرفوا إليه من خلال خصومات الناس حول سنته.
واجعلوا بيوتكم أماكن يجد فيها أبناؤكم الرحمة التي تحدثونهم عنها في الدين.
وأوصيكم بشيء آخر قريب جدا إلى قلبي:
لا تجعلوا وسائل التواصل تقنعكم أن قيمة الإنسان بعدد من يعرفه.
قد يعرفك الملايين ولا يعرفك الله بطاعة تحبها.
وقد تمضي في الأرض هادئا لا يلتفت إليك كثير من الناس، ويكون لك عند الله شأن لا تعلمه.
فلا تعيشوا لتصنعوا صورة.
عيشوا لتبنوا إنسانا يرضى الله عنه.
أما أنا، فلا أدري كم بقي لي من العمر، ولا كم كتابا سأتم، ولا كم محاضرة سأقدم، ولا متى ستكون آخر كلمة أكتبها أو أقولها.
لكنني أعرف شيئا واحدا أرجوه من الله:
أن يغفر لي ما كان في عملي من نقص، وأن يتقبل ما كان فيه من خير، وأن يجعل شيئا مما كتبت أو علمت أو قلت باقيا بعدي يهدي إنسانا، أو يرد قلبا، أو يفتح باب توبة، أو يقرب عبدا منه.
وإن جاء يوم لم أعد فيه بينكم، فلا أريد منكم شيئا كثيرا.
ادعوا لي.
وإن وجدتم في كتبي ما ينفع، فانشروه.
وإن وجدتم فيها خطأ، فصححوه.
ولا تدافعوا عن خطئي لأنكم تحبونني.
وإذا ذكرتموني يوما، فلا تقولوا: كان له متابعون كثيرون، أو كتب كتبا كثيرة.
يكفيني، إن أكرمني الله بذلك، أن يقول إنسان واحد:
دلني على آية فغيرتني.
عرفني بربي فاقتربت منه.
أعانني على العودة حين ظننت أنني لا أستطيع العودة.
هذا عندي أكبر من الأرقام كلها.
وأخيرا…
إلى كل من وصلت إليه كلماتي في بلد لم أزره، وإلى من لم أره ولن أراه في هذه الدنيا، وإلى من جمعني به القرآن ولم تجمعني به الأماكن:
أسأل الله أن يجمعنا على ما يحب في الدنيا، وأن يغفر لنا تقصيرنا، ويصلح قلوبنا، ويحسن خواتيمنا، ثم يجمعنا في دار لا مرض فيها، ولا فراق، ولا موت.
وحتى ذلك اليوم…
لا تنشغلوا كثيرا بمن قال الكلمة.
انظروا ماذا صنعت الكلمة فيكم.
فإن قربتكم من الله، فاحمدوا الله.
وإن وجدتم فيها خطأ، فاتركوا الخطأ وانصحوا صاحبه.
فنحن جميعا عابرون…
ويبقى الله، ويبقى الحق، ويبقى من العمل ما أريد به وجه الله.
****
ودعت الداعية الهمام دريد ابراهيم الموصلي،شاكرا له نبل أخلاقه،وحفاوة استقباله، وسعة صدره في الإجابة على كل أسئلتنا برغم ضيق وقته،وكثرة مشاغله،وبدأت أقلب الطرف في صفحات النسخة العربية من كتابي “لماذا أحب محمدا ﷺ؟ بكل لغات العالم الحية،قبيل ترجمتها الى اللغة الهندية الرسمية ،أسوة بالترجمات السابقة الى الإنكليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية والروسية،علاوة على لغة الماندرين الصينية القياسية، سبقها ترجمته الى لغة التاغالوغ الفلبينية ،والكاتاكانا اليابانية،فضلا على السواحيلية الإفريقية،وكان لتجربة الداعية الهمام دريد ابراهيم الموصلي، الملهمة نصيب من الذكر الطيب بين ثنايا هذا الكتاب وبجميع ترجماته الى جانب تجربة كل من القس الأمريكي السابق كينيث جينكيز،الذي علل إسلامه وتغيير اسمه الى عبد الله فاروق في كتابه – اعتناق الإسلام- قائلا ” كانت اللحظة الحاسمة في حياتي، يوم تابعت مناظرات الداعية الهندي-الجنوب إفريقي أحمد ديدات “، وعلى خطاه سارت المبشرة سو واتسون، التي تحمل شهادة الماجستير في علم اللاهوت وقد أشهرت إسلامها وغيرت اسمها الى خديجة قائلة عن سر ذلك:” كان من الطبيعي أن يتمحور سؤالي الأول خلال بحثي في الإسلام عن ألوهية الله، و حول محمد من هو؟! فوجدت إجابات شافية لتساؤلاتي المثيرة “، وفقا لكتاب “كيف أسلمت؟ “ص66-68.
وعلى منوالهم سارت اليابانية (ولي- اورا) عضو الاتحاد الدولي للكتّاب ومؤلفة كتاب (المعرفة) و(أهل الكون) قائلة عن دوافع إسلامها” كيف لا أسلم وهناك عشرات الشخصيات المرموقة في الغرب تعلن إسلامها يوميا؟ فالإسلام اليوم ينتشر بنسبة 235% في العالم الغربي بينما تنتشر بقية الديانات بمعدل يتراوح بين 47- 17%”، نقلا عن كتاب ” لهذا أسلمت” ص41-42.
وختاما لله در المفكر والأديب محمد إقبال،القائل في مدح النبي ﷺ :
لما أطل محمد زكت الربي… واخضر في البستان كل هشيم
وأذاعت الفردوس مكنون الشذى…فإذا الورى في نضرة ونعيم
منبر العراق الحر منبر العراق الحر