إن قلت أعلم فأنت فعلاً لا تعلم …..عبد الرزاق عودة الغالبي

منبر العراق الحر :

من لا يعرف جيري فهو ليس من كوكبنا الأرضي، هو فأر، بطل مغوار، وقح مشاغب، متحرش بكل عابر وسابل، غادٍ و قادم، يخص بعداوته الثقيلة، توم، ذاك القط المدلل المتراخي، حتى صارت عداوتهما مثلاً يضرب في جميع لغات العالم ، فهي تملأ شاشات تلفزيونات العالم، غاب توم يوماً من المشهد لسبب غير معروف، فشعر جيري بفراغ قاتل ،جعله يخَرَج إلى طريق القوافل للبحث عن المشاكل، ومرت قافلة من الجمال، يقودها جمل كبير، وكالعادة، أراد جيري التحرش بهذا الجمل المتغطرس، فركض وتقدم القافلة ليقودها بدلاً منه، ابتسم الجمل ولم يغضب أو يمنع جيري من مأربه الخبيث، وسارت القافلة بقيادة جيري المشاغب، والجمل يتبع خطواته باحترام وتقدير،حتى جعله يصدق أنه القائد فعلاً، واندمج جيري بالدور تماماً حتى نسي حجمه …!
مرت غويمات صغيرة، بيضاء شقية تعلم مهاترات جيري المشاغب، فشدها منظره الغريب، أرادت أن تلاطفه فرشقته بتيار خفيف بارد من مزنة ربيعية، هبّت بعدها نسيمات ناعمة خفيفة، شعر بعدها جيري بلسعة برد، فارتجف جسده، ولم يتحرك الجمل أو حتى يتأثر من تلك النسيمات، فهي نسيمات منعشة لا تزعج أحداً، إلا الخبثاء فقط، ضحك الجمل من منظر جيري وهو يرتجف، فصاح به بلهجة آمرة :
-” لماذا تضحك أيها الغبي، أنتم الجمال سفهاء جداً تضحكون لأي سبب، حتى وإن كان سخيفاً…!؟”
رد الجمل بحنكة وعدم اكتراث قائلاً:
-” لاتنزعج يا قائدي الهمام ، أنا لا أضحك منك مطلقاً، فقد احترمتك وسمحت لك أن تقود القافلة بدلاً مني….!”
انتفخت أوداج جيري بالكبرياء ورد بخيلاء:
•” كنت أظن أنك تضحك على حجمي، فنحن الفئران حجومنا صغيرة وعقولنا كبيرة، عكسكم تماماً أيها الجمال الأغبياء …!”
لم ينزعج الجمل من كلام جيري مطلقاً ورد عليه باحترام قائلاً :
-” أنا لا أضحك منك يا صديقي و قائدي العظيم، بل أضحك من الزمن العاثر الذي جعل فأراً يقود جمالاً…!!”
وساد الصمت بينهما حتى وصلت القافلة نهراً صغيراً، وقف، القائد جيري متحيرا أمام تلك المعضلة، فهو صغير جداً، و عبور هذا النهر يعد انتحاراً، و الجمل من خلفه يتفرج ويضحك بقرارة نفسه، وبعد برهة من الزمن قال :
•” لماذا وقفت أيها القائد الهمام، نحن بانتظار أوامرك، لماذا لا تعبر أمامنا فهو نهر صغير، هل أنت خائف علينا من الغرق …!؟ لا تخف نحن نتخطاه بخطوة واحدة، وإذا طلبت منا أن ندخل فيه فهو لا يصل حتى كعوب أرجلنا، فماذا تودنا أن نفعل….!؟”
بقي الفأر صامتاً، بماذا يرد، إن الله خلق المخلوقات باختلاف، ووزع الواجبات عليها، وجعل الحاجة هي الرابط الوثيق فيما بينها، فلا تتصور مخلوقاً في الدنيا خلق عبثاً، من الفايروس إلى الفيل، إلّا وله دور وواجب في الأرض، ولو انقرض مخلوق من تلك المخلوقات، سيخلف حتماً نقصاً و شرخاً ملحوظاً في الحياة، أظن أن الفأر أدرك قدراته، فأحنى رأسه خجلاً وانكساراً أمام الجمل، وقال باحترام :
-” شكرا لك أيها الجمل، فقد أعطيتني اليوم درساً لن أنساه ما حييت، إن قدرات المخلوق يحددها الخالق ، فلكل مخلوق واجبات و حجم وحيز وقدرات بمقاسه، علينا أن ندركها مسبقاً بالعقل، فلو فهمت أنا ذلك مسبقاً، لما وضعت نفسي في هذا الموقف المحرج …!!؟”

اترك رد