منبر العراق الحر :
هل يأتي لنا يومٌ ندين فيه لآلامنا، حين تعيد إنتاجنا، وتمنحنا وعيًا لم نكن لنبلغه من دونها؟
كان أول إدراك لي للحياة، في طفولتي الأولى، محاطًا بالسجن والبرد والمجاعة والخذلان والخوف والانتظار. كان أبي وإخوتي يغيبون في دهاليز السجون، بينما كنتُ أنا وأمي وأخواتي نمكث في سجنٍ آخر؛ لا هم يعلمون عن أمرنا شيئًا، ولا نحن نعلم عن مصيرهم شيئًا. سنواتٌ طويلة ظلّ فيها الغياب سؤالًا مفتوحًا، والخوف رفيقًا لا يغادر.
ثم أدركتُ المراهقة، فأدركتُ معها بكاء امي ونواحها وأنينها، وخوفها على أبنائها وبناتها.
كانت مطاردة رجال الأمن وترهيبهم جزءًا من يومياتنا، حتى تعلّمنا مبكرًا أن الأمان في الحياة قد يكون أمنية.
وفي المدرسة، امتدّ الخذلان إلينا، فقد تبتعد عنك صديقة مقرّبة، لا كرهًا ولا جفاءً، وإنما خوفًا من أن تُوسم بالشبهة لأنها تصادق ابنة معارضين للنظام.
ثم مضت السنوات، ومعها شيء من الأمل والطموح والأمنيات. كنا نظن أن الزمن، حين يطول، قد يمنحنا شيئًا من التعويض، لكن القدر كان يفاجئنا بالعكس تمامًا.
حلّ المرض، وتتابع الوجع، وبدأت سلسلة الفقد.
ماتت أمي قبل أن تشيخ، ثم رحلت ابنة أخي الشابة بعد صراع مع السرطان، ومات أبي محمّلًا بالأحلام والانتظار، وبعده بأقل من سنتين رحل أخي الأكبر محمد، بطل قصة السجون والعذاب والاختفاء، والذي عاش طويلًا تحت اسم الشهيد الحي.
مات بلا مقدمات، وبلا أي توقع.
وحين سمعت من ابني:
“ماما… البقاء بحياتك، خالي محمد مات”.
شعرت وكأن قلبي تلقى ضربة لا أعرف مصدرها، ثم رأيته في داخلي ينفطر ويتكسر ويسقط أشلاء.
التفتُّ إلى ابنتي وقلت:
“اسنديني ماما… حتى ألمّ قلبي”.
ومرت أيام ليست كثيرة، والحزن ينخر في الروح ويذيب الوجدان، حتى جاءت ذات ساعة مغمورة بلطف الله، وجدتني أحدث روحي:
أليست حتمية الموت هي الحقيقة الوحيدة التي اتفق عليها البشر جميعًا؟
وماذا لو كان الموت لا يغيب إلا الأجساد، بينما الروح تبقى، وقد تجردت من قوانين الدنيا؟
وماذا لو كانت روحه تراني اليوم؟
عندها قلت لنفسي: لأجلها، ولأجل أحبتي الأحياء، ولأجل بناتي، عليّ أن أنهض. عليّ أن أواصل ما تبقى من العمر.
ربما كانت تلك اللحظة بداية فلسفة جديدة لديّ عن الموت والحياة.
فبعد كل هذا الفقد، تساقط بريق كثير من الأمنيات. لم يعد في داخلي ذلك التوق القديم إلى أشياء كنت أظنها ضرورية للحياة. بقي توق أكثر هدوءًا وصدقًا: السلام، والسكينة، والمحبة.
وهل يمكن الجزم بأن العمر مضى بلا عوض؟
لا. فلعلّ العوض كان في تفاصيل كثيرة لم ننتبه إليها، وفي نسخةٍ جديدةٍ منا ذاقت التسليم، وتعلّمت القبول، ووجدت في الرضا سكينة
واليوم، حين ألتفت إلى كل ما مرّ بي، لا أستطيع أن أراه مجرد سلسلة من الخسارات.
لقد أعادتني تلك الأقدار، بكل قسوتها، إلى نفسي.
علّمتني أن الإنسان قد يُعاد تشكيله من حيث ظن أنه يتحطم، وأن بعض الآلام لا تأتي لتُفني ما فينا، بل لتعيد ترتيبنا من الداخل.
فاليوم، أنا أدين لأقداري وآلامي، لأنها، وإن أوجعتني، أعادت إنتاج وعيي، وأعادت تشكيل فهمي للحياة والموت، وللفقد والبقاء، ولما يستحق أن نطلبه من هذه الحياة.
ولعل أجمل ما بقي لي بعد كل ذلك أنني لم أعد أطلب من الحياة أن تعوّضني عن كل ما أخذته، يكفيني أن تمنحني سلامًا أعيش به، وسكينةً أرحل بها حين يحين الرحيل، وأثرًا طيبًا يبقى حيًا بعد الرحيل.
#بذور_افكاري
#حميدة_القحطاني
منبر العراق الحر منبر العراق الحر